رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

تونس - سيّدتي نت شاب تونسي تحدى مرضه، وأعطى من حوله درسًا في والشجاعة والعزيمة. هو لا يتجاوز الـ25 عامًا، أصيب بمرض ضمور في العضلات أقعده عن المشي على رجليه. هو شعيب نمري، مهندس شاب يروي لـ«سيدتي نت» قصّة نجاحه التي رأيناها استثنائية.
كانت نظرات شعيب كلها أمل، ولم يتردد في رواية مشواره، قائلاً: «درست الهندسة الكهربائيّة في جامعات تونس، ثمّ في جامعات فرنسا، وكنت دائمًا وبشهادة أساتذتي متفوقًا موهوبًا، وكان ترتيبي الأوّل على طلاب دفعتي بجامعة تولوز الفرنسيّة، وكأيّ شابّ، كنت أحلم باكتشاف العالم الجديد وما يخفيه عنّا المحيط الأطلسي. أرغب بالدّراسة بجامعة جورجيا للتقنيات بأمريكا، وكانت لي أحلام أخرى عديدة». أجهل اسم إعاقتي يقول شعيب: «من يعرفونني جيدًا يعلمون أنّ لديّ إعاقة عضوية خلقيّة. لم أمشِ على قدميّ يومًا، أنا أتنقّل على كرسي متحرّك منذ صغري. كنت أجهل اسم إعاقتي. تعايشت مع المرض أكثر من عقدين من الزمن، دون أن يواجهني أو أواجهه، دون أن يعرفني أو أعرفه، كان كلانا يتجاهل الآخر. أنا لم أشعر أبدًا أنّ قدراتي محدودة، ثمّ إنّني نادرًا ما أتذكّر أنّني على كرسيّ متحرّك». حس أدبي
نظرًا لنبوغه، اختارته شركة «جنرال إلكتريك» العملاقة في مجال الصناعات والإلكترونيات؛ لينضم إلى فريقها وتأهيله فيها ضمن فريق شاب سيتولى قيادة الشركة في المستقبل، وإلى جانب تفوقه العلمي، فإن حسه الأدبيّ عال.

عملة نادرة
لم يتعرّف شعيب على اسم إعاقته إلا حين بلغ سن الثالثة والعشرين. يستدرك قائلاً: «دفعني فضولي إلى البحث عن (العلّة وبنت العلّة) كما نقول في تونس. اتّصلت بخبراء في مجال علم الوراثة وطبّ الأعصاب وأمراض الجهاز التنفسي وأجريت تحاليل واختبارات تلو الأخرى، حتى يتمّ تشخيص المرض. لن أنسى أبدًا ذلك اليوم الذي أماط فيه المرض عن لثامه، وسقط فيه عنه قناعه، وأصبح فيه لرفيق دربي المجهول اسم يعرفه وأناديه به».
لم يتوقّع شعيب، كما يقول، أن يكون لوقع كلمات الطّبيب يومها تلك القساوة والبرودة. مجرّد اسم، هذا ما كان يبحث عنه، «أنت مصاب بضمور عضلي خلقي من نوع أولريش» هذا ما قاله الطّبيب. أضاف: «هناك 50 حالة إصابة موثّقة في العالم». رددت بمرحي المعتاد: «أمر جميل، إذن أنا عملة نادرة، أنا فريد من نوعي، إنّه إحساس رائع». جهازي التنفسي
لم يكن الأمر ليحدث فارقًا في حياتي لو لم يردّ الطبيب بابتسامة أراد لها أن تخفّف وطء ما سيقوله: «شعيب.. أريد أن أصارحك وألا أخفي عنك شيئًا.. أنت شخص راشد ومسؤول، وأرجو أن تتقبّل ما سأقوله.. قدرتك التنفسية منهارة، لم يبق لك سوى 30% من قدرة إنسان عادي.. علينا أن نحافظ على ما تبقى من نسيجك العضلي التنفسي.. من هنا فصاعدًا، يجب عليك أن تستعمل آلة تهوية ميكانيكية؛ حتى تريح جهازك التنفسي بالليل، ويكون لك أمل حياة عادي.. عليك استخدامها كل ليلة، مدى الحياة».

هل سأعيش؟
ينقل شعيب أحاسيسه قائلاً: «كانت المرة الأولى والوحيدة التي ضعفت فيها أمام مرضي وشعرت يومها باختناق غير عادي. تذكّرت عبارة شهيرة نقولها في تونس: الحمد لله حتّى على النفس، ومفردة (حتى) فهي هنا تفيد الاستبعاد وشبه استحالة، فتساءلت: «هل سأعيش بما يكفي لتحقيق كلّ ما أطمح له؟ هل بقي لأحلامي معنى؟ ماذا عن الولايات المتحدة؟ عن الدكتوراه؟ ماذا عن حبيبتي بالضفة الجنوبيّة للمتوسط؟ تساؤلات عديدة أعادتني إلى مربّع الصّفر حتى أرتب أوراقي وأفكّر مليًا بما أريد فعله حقيقة».

ضجيج مزعج
أخفيت قلقي وحيرتي عن محيطي بنجاح. تصرّفت كأنّ شيئًا لم يكن، بقيت مرحًا كعادتي، وكثّفت نشاطاتي بالعمل الإنساني، وحرصت على التميّز في دراستي. تسلّمت آلة التّهوية الميكانيكية، وحاولت استخدامها باللّيل، لكنني رفضتها، كيف لي أن أتعايش مع هذا الكائن الغريب، بهوائه المضغوط الذي يدفعه نحو رئتي دون علم بدورتي التنفسية، كان ضجيجه مزعجًا، وأضواؤه لا تدعني أنام؟
بقيت الآلة على منضدتي سنة كاملة دون استخدام، إلى أن شاهدت فيلمًا غيّر حياتي، يتحدّث عن حياة الفيزيائي النظري الشّهير ستيفن هاوكينغ، ويلقي الضوء على محطات مهمة من حياته الشخصيّة، كعلاقته بزوجته السّابقة، وتشخيصه بداء «العصبون» الحركي، الذي يمنعه من الحركة، أو الكلام، أو بلع الطّعام بصفة مطلقة. فعشت مستقبلي بحذافيره. حذري الشديد
يتابع شعيب: «أنا من النّاس الذين يبدون حذرًا شديدًا إزاء ما يشاهدونه في التلفاز أو السينما، أغلب ما ترونه في الشاشة يبدو لي مزيفًا مهما بلغت واقعيّته. لكنني لم أكن أتوقّع يومًا أن آتي أمامكم وأقول إنّ فيلمًا أو مشهدًا من فيلم غيّر حياتي.
لأوّل مرّة، أشعر بصدق الشّاشة وفحوى ما تعرضه. لأوّل مرّة يمكن لي أن أقول إنّ فيلما غيّر حياتي. فوجئت بردّة فعل هاوكينغ إزاء ما قاله الطّبيب: «كم تبقّى لي من العمر يا دكتور؟»، أجاب الطّبيب: «سنتان». «ماذا عن دماغي؟ هل للمرض تأثير على الدّماغ؟»، أجاب الطّبيب بالنّفي. «حسنًا، إذن بقي لي سنتان حتّى أعدّ أطروحة الدّكتوراه».

جوهرة تكنولوجية
طبعًا الكلّ يعلم أن هاوكينغ لم يمت بعد سنتين، وأنه أضاف للفيزياء النّظريّة الكثير، تزوّج مرّتين وأنجب 3 أطفال. وهو على قيد الحياة إلى اليوم. عجبت لقوّته، ثمّ تساءلت: أنت لست أسوأ حالاً من هاوكينغ. ما هذا الجبن؟ توقّف عن هرائك وعش حياتك بعمق. قرّرت أن أستعمل آلة التهوية، وحتى أتقبّلها، لم أعد أنظر إليها كأداة علاج. صرت أراها جوهرة تكنولوجية تختزل آخر ما توصّلت إليه المعرفة الإنسانية: ميكانيكا السّوائل، الدّيناميكا الحراريّة، نظريّات التّحكّم المعقّدة، قانون الغازات المثاليّة... صرت أنظر إليها بعين المهندس، والباحث عن العلم، لم أتقبّلها فحسب، بل إنّني وقعت في حبّها...
تجدون المشهد الذي أتحدّث عنه في أوّل تعليق..
تقبّلوا محبّتي.  

رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.