رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

            الزميل العزيز مصباح قطب اصطحبني معه لاجراء أول حوار مع وزير الاسثتمار وذلك قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، تعرفت على الدكتور محمود محيي الدين تلك الفترة وأعتقد أنه كان أول حوار صحفي معه حيث كان مكتبه خاليا  من أية أوراق ودوسيهات والدولاب خلفه نظيف مثل الصيني بعد غسيله .. فقلت له هذا يوكد أنك ستبدأ من الصفر .. ضحك وقال أنت لماح فعلا نعم هذه هي الحقيقة .. وعندما تركنا مكتبه قال لي الأستاذ والمعلم الاعلامي القدير مصباح قطب الدكتور محمود شاب طموح ويعرف ماذا سيتعامل مع مشكلة الاستثمار العويصة في مصر.بعد كل هذه السنوات يعود الصديق العزيز قطب ليحاور قطب الاستثمار في مر والذي ظلمته الثورة فوجدت انه من واجبي أن أنقل الحوار في جريدة العالم الجديد لأهمية المحاور ومحاورهرئيس التحرير محمد متولي فضل  يتخطى الدكتور محمود محيى الدين، النائب الأول لرئيس البنك الدولى للتنمية المستدامة والعلاقة مع الأمم المتحدة والشراكات، فى هذا الحوار مع «المصرى اليوم»، الهموم الراهنة التى تشغلنا اقتصاديا واجتماعيا، ليسلط الأضواء على التحديات الكبرى التى تواجه مصر ودول المنطقة.  
كما يتوقف بشكل خاص عند ملفات السكان والتطور التكنولوجى والبيئة، مؤكدا أن وراء كل تحد فرصة، وأنه لا سبيل إلى التقدم على المحاور الثلاثة إلا بسياسات متكاملة، ومؤسسات قوية، ووعى عال ومشاركة، معيدا إلى الأذهان نبرة الإذاعى الراحل عبد البديع قمحاوى، رائد محو الأمية، من خلال الراديو، ولكن فى صورة أخرى إذ يقول: «يا اللى اتحرمتوا من الثورة الصناعية الأولى والثانية والثالثة الفرصة لسه قدامكم إلى الثورة الصناعية الرابعة».. والى نص الحوار: ■ بداية.. رغم إشادة تقارير دولية عديدة بالاقتصاد المصرى إلا أنها تتحدث عن تحديات فما أهم التحديات من وجهة نظرك؟ - أعتبر أن كل مؤشر اقتصادى قد يعرضه تقرير دولى يمثل واحدا من عدادات لوحة السيارة أمام قائدها؛ فهناك واحد مثلاً للوقود وآخر للزيت وعدادات السرعة والحرارة، ويمكن أن تكون كل المؤشرات جيدة لكن مؤشراً واحداً كالماء ناقص مثلا، فلايمكن للسيارة أن تسير بسلام. أقصد أن كل مؤشر مهم فى ذاته، لكن أيضا يجب النظر إليه مع الآخرين، ولا يجب بحال أن تتم قراءة التقارير الدولية أو الإقليمية أو المحلية من غير مصادرها الأصلية، ولا يكفى الاطلاع على ملخصات منقولة أو تلك التى تبالغ فى الاستحسان أو النقد، وهناك تقارير تصدر لقطاع معين أو لهدف معين وبالتالى لا يجوز سحب نتائجها على مجمل الاقتصاد. ■ مثل؟ - تقارير مؤسسات التصنيف الائتمانى مثلا، فهى معنية بقدرة الدولة على سداد الالتزامات الدولية أو المحلية ولن يكون دقيقا أن تقوم بتعميم ما فيها على مجمل النشاط الاقتصادى، أيضا تقرير ممارسة الأعمال الشهير فهو معنى بالأصل بالإجراءات التى تخص الاستثمار المحلى الصغير والمتوسط الحجم وليس معنيا إطلاقا بالاستثمار الأجنبى أو الاستثمارات العامة المحلية ومقدمة التقرير نفسها تبين ذلك، مثل ثالث تقرير للبنك الدولى عن رأس المال البشرى وهو يركز أساسا على التعليم والصحة وعليك حتى كاقتصادى أن تقرأه من هذا المنظور. ■ لكن نظرتنا للتقارير متطرفة إذا أشادت فرحنا وإذا انتقدت شككنا فيها؟ - هناك من يفرط فى اتهام المنهجية إذا كان التقييم لا يرضى، أو يطعن فى مقاصد من أصدروا التقرير، أو نتجاهله إذا لم تعجبنا نتائجه، أو نوحى للبعض بأن يقلل من شأنه، ورأيى أنه حتى المنهجية غير الكافية يمكن الإفادة منها ولا ننسى أنها تطبق على الجميع، ويجب أن نركز على خبرة ما فات وماذا فعل من تفوقوا علينا، وماذا نفعل وماذا ننوى أن نفعل. ■ والتحديات؟ - ما يواجه الاقتصاد المصرى من تحديات مالية ونقدية وهيكلية معروف، والحكومة تعمل عليها مع صندوق النقد الدولى، وبالطبع فإن المتغيرات العالمية والإقليمية تؤثر بالسلب والإيجاب على مسار أى إصلاح، وهناك كتابات كثيرة مهمة حول هذا الشأن، لذا أفضل فى هذا الحوار النظر إلى موقفنا فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة الـ 17 (و167 هدفا فرعيا) ويقيس كل ذلك 230 مؤشرا، والقياس يتم للدول الغنية والمتوسطة والفقيرة. أين نحن من مكافحة الفقر ومن جودة وإتاحة خدمات التعليم والصحة وحماية البيئة ورعاية الأمهات والأطفال والخدمات الأساسية، مراتب مصر فى كل ذلك يمكن أن تكون أفضل، خاصة مع الجهد المبذول والمهم الاستمرار فيه وأن يكون شاملا. ■ ما اهم الركائز التى يمكن من خلالها تحقيق التنمية المستدامة بمعناها الشامل؟ - مصر كغيرها من الأسواق الناشئة أمامها فرص وتواجهها تحديات، لكن ما أود التوقف عنده أمور جوهرية، أولها البعد السكانى، فمصر دولة فتية سكانيا وتبلغ نسبة الشباب تحت 30 سنة نحو ثلثى إجمالى عدد السكان، واللافت أيضا حدوث تطور فى الأعمار، فتوقع الحياة عند الولادة قد زاد، وبقدر ما يشكل كل ذلك من تغير اجتماعى واقتصادى ميزة تتمثل فى وجود قوة عمل قوية ومتنوعة وطبعا يلزمها العناية بالتعليم والتدريب وتو فير البنية التحتية اللازمة والعصرية. لن يهبط معدل النمو المرتفع للسكان إلى القدرالمناسب إلا بتعليم الفتيات وتوفير فرص العمل اللائق للمرأة وبأجر مناسب. من ناحية أخرى لاتنس أن تحسين الصحة العامة يجعل حتى الكبار قادرين على العمل والعطاء، ولذا يحسن الاستفادة من خبراتهم فى سوق العمل مع توفير ما يحتاجونه. ■ وهل الخلل السكانى فى معدل النمو فقط؟ - لا بالتأكيد، هناك أيضا سكان حضر يزيدون وهجرة من الريف تتفاقم، ولم نسمع من يتجه إلى بناء قرية ريفية جديدة، فالكل يتحدث عن بناء مدن جديدة، أى سيأتى وقت يسكن فيه الجميع فى مدن، سيكون الفارق بينها أن إحداها صغيرة والأخرى كبيرة، واحدة مجهزة بالمرافق والخدمات الجيدة والأخرى لا، ويحتاج ذلك التحول إلى استثمارات ضخمة جدا فى البنية الأساسية لتحقيق المساواة فى درجة التقدم الحضرى، وحتى لا تعود العشوائية إلى الظهور. ■ دعوت مرارا إلى ما تسميه محلية التنمية ما الأسباب التى تعوق هذا التحول؟ - الجدل القديم حول المركزية واللامركزية لا محل له، فمع الانتقال المتسارع إلى الحضر وفى ظل التطورات الهائلة لتكنولوجيا المعلومات أصبحت محلية التنمية عملية تفرض نفسها، وقد أخذت بذلك فيتنام وكوريا والصين وكولومبيا، وحققت نجاحات كبيرة وتجاوزت الجدل القديم حول المركزية واللامركزية. وأصبح لديهم مدن صغيرة وأخرى كبيرة والاثنتان مرتبطتان ببعضهما بشبكات معلوماتية سريعة وفعالة، ويجب أن ننشغل بذلك فى مصر ومنطقتنا العربية، والمعول عليه لتحقيق محلية التنمية هو جودة البنية التحتية والخدمات الأساسية فى المدن سواء صغيرة أم كبيرة، وتقديمها بتكاليف معقولة وتحت رقابة قوية مع التزام بمعايير الجودة والتحديد الواضح للأدوار مع عمل الكل فى إطار منظومة شديدة الترابط ومن المهم أن تكون للسلطات المحلية موازناتها ومواردها ويحدد أولويات الإنفاق عليها بما يشعر المواطن بآثار التنمية. ■ تعرضت فى محاضراتك الأخيرة بجامعتى القاهرة والنيل للتغيرات البيئية، ما يمثله لنا هذا التحدى؟ - يجب التعامل مع الشؤون البيئية لبلدنا بسكانه وأرضه وشواطئه كمسألة مصير وليست فقط قضية اتفاقيات دولية. نحن نتحدث عن مستقبل شمال الدلتا والمياه والأراضى والطاقة وأنواع الزراعات، يلزم ألا نحصر رد الفعل فى أن يقول البعض: «إلحق البحر حيوصل طنطا»؛ فهناك سياسيات لحماية البيئة ومؤسسات تعنى بتغيرات المناخ والحد من التلوث وأن تنشر الحكومة بمساعدة المجتمع المدنى ثقافة جديدة بين السكان فى هذا الشأن مع تنفيذ فعال للقانون. كلنا يشعر بأن مواعيد بعض الزراعات تغيرت وأنه بات مستبعدا أن نأكل أسماكا من بعض الترع ومن قبلها أصبح مستحيلا تناول أسماك من موارد مائية أخرى، التلوث نتائجه واضحة لا جدال، ورغم كل ما تقدم فهناك ما لم نلتفت إليه بشكل كاف وهو الصناديق الدولية التى تقدم ما يسمى بالتمويل الأخضر وعددها ليس بالقليل ويجب أن نستفيد منها. ■ الحديث المتكرر عن التطورات السريعة فى العالم يخيف الناس ويجعلهم يشعرون أنه لا أمل فى اللحاق بهذا؟ - هناك موقع اقتصادى عالمى يعد الآن ملفا جديدا بمناسبة قرب انتهاء 2018 عن المتغيرات المتسارعة خاصة ما يرتبط بالثورة الصناعية الجديدة وتكنولوجيا المعلومات وهو ما أسميه (بالمربكات الكبرى) فى عالم اليوم، وهو يرصد آثار التطور التكنولوجى والاقتصادى والاجتماعى فى العالم، وما قد يحدث أو لايحدث، وبغض النظر عن تفاصيل هذه المربكات أقول: «يا اللى اتحرمتم من الثورة الصناعية الأولى (الماكينات البخارية) والثانية (الكهرباء) والثالثة (الأتمتة والتوسع فى استخدام الكمبيوتر) فالفرصة لسه قدامكم فى الثورة الرابعة ثورة الذكاء الاصطناعى والروبوتات المتطورة وقواعد البيانات الضخمة والطباعة ثلاثية الأبعاد.. إلخ، مع الاعتذار للراحل عبدالبديع قمحاوى الذى كان يقدم دروس محو الأمية فى الراديو- الفرصة لسه قدامنا ولكن نحتاج جهدا وتمويلا وعزيمة وسياسة متكاملة. طبعا بعض النتائج ستكون سلبية خاصة على من استثمر كثيرا فى التقليدى يعنى مثلا من وضع استثمارات كبيرة فى صناعات متقادمة تكنولوجيا قبل قدوم الثورة المعلوماتية أو أقام خطوطا هوائية سيتكلف بالتأكيد استثمارات للتطوير وربما إحلالا كاملا، لكن من استشرف الغد مبكرا كالصين وكوريا اللتين أقامتا بنية أساسية متقدمة للمستقبل. ■ ومصر؟ - مصر فى تقديرى تملك مقومات الانخراط فى الثورة الجديدة بطريقة الوثبات السريعة كما حدث مع الدول مرتفعة النمو التى اختصرت زمن التقدم إلى ثلث أو ربع زمن ما كان عليه الأمر فى أوروبا الغربية، وهنا أيضا يجب تبنى سياسات تكنولوجية متكاملة والبعد عن نهج القطاعى المنعزل. لقد قال البروفيسور «كولن ماير» صاحب الخبرة الواسعة فى مجال الاستثمار واقتصاديات الشركات، إنه لاحظ أن أجور من يعملون فى بنوك الاستثمار الكبرى أصبحت تتوارى خجلا مقارنة بمن يعملون اليوم فى شركات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمى، وبلغتى أنا أقول إن لكل عصر صناعته ولكل زمن رواده. ■ لكنك تتحدث عن شرائح ليست كبيرة من المجتمع فأين يذهب الباقون؟ - قاعدة واسعة من المجتمع يمكنها أن تستفيد من الاقتصاد البازغ الجديد، الشركات التى تنشأ الآن تفكر من البداية فى العالم كسوق لها ومن ضمنه السوق المحلية. لا مجال هنا لانتظار الأوهام وحكايات «المخترع الصغير أو الطفل المعجزة» أو بمعنى آخر انتظار ابتكارات تأتى من الهواء أو التمنيات أو الصدف. أفضل طريقة لاستخدام الذكاء الفطرى والمهارة المبكرة هى تسليحها بالعلم والتدريب، والموضوع يحتاج إلى تعليم عال وتدريب وتفكير ابتكارى وكوادر شبابية قادرة ومناخ ومؤسسات. فى مصر المطلوب هو سياسات متكاملة- بنية تحتية عصرية- توفير المعلومات- تأمين فائق للشبكات- سرعات عالية للإنترنت- تصدير رقمى- مخازن بيانات يعتمد عليها. ■ مع التطور التكنولوجى هل تتم إزاحة قليلى المهارات من أسواق العمل؟ - كلما حدث تقدم كبير فى التكنولوجيا أثيرت مخاوف من سيطرة الآلة، ولكن فى النهاية هذا التطور لصالح عموم الناس، إذ تحدث اختلالات تتطلب سرعة التغير والتوافق للتقدم. والحديث الآن عن العمل وليس الوظيفة، والمعنى أن الوظيفة بمعناها التقليدى أى مكان عمل ثابت ومكتب وأجر شهرى مضمون، تنحسر فى مجالات كثيرة، وسيحل مكان نسبة كبيرة جدا من تلك الوظائف من خلال فرص عمل مختلفة ومتنوعة، حيث سيعمل عدد متزايد من الأفراد مستقلين وفى شركاتهم الصغيرة التى يعمل فيها واحد أو مجموعة تكمل بعضها، وسيقوم كل من يعمل باقتطاع نسبة من أجره للتأمينات وهكذا، ومن منظور أوسع لقضية العمل فإنه فى الحالة العربية لا يوجد سياسات تشغيل متكاملة، فوجود وزارة للقوى العاملة تتعامل مع النقابات أمر مهم لكن ليس بكاف. وفى الدول المتطورة، الوظيفة الأساسية لمثل تلك الوزارة التدريب والتأهيل، وتحفيز المنشآت على الابتكار، واعتماد برامج، وتفاعل مع منظومة التعليم، واستشراف لآثار المربكات الكبرى على سوق العمل، وإتاحة المعلومات عن الاحتياجات وتطبيق ضوابط لحماية سوق العمل. والتغيرات لها جوانب إيجابية مهمة، فهى ستقدم إنتاجية أعلى وترفع الكفاءة وتستحدث تخصصات جديدة ترتبط بالثورة الصناعية الجديدة، فهناك بحث صدر من جامعة اكسفورد مؤخرا قال إنه فى المستقبل المنظور 49 % من المسميات الوظيفية الحالية فى الولايات المتحدة ستختفى ويحل محلها أخرى، وسيكون هناك سوق عمل يختلط فيها أشكال من التكنولوجيا، ولكن لن يسأل أحد الآخر: وظيفتك إيه بل عملك إيه؟ وقد تحدث تغيرات مستمرة فى دخل العامل نتيجة سرعة التقلب فى الدخول، وستبرز أنماط وبوالص تأمينية جديدة لتؤمن ضد تقلبات الدخل فضلا عن توفير دخل عند التوقف المؤقت أو العجز عن العمل. ■ هل سيكون للرقابة الحكومية قدرة على متابعة ذلك؟ - تطورات الاقتصاد التكنولوجية قد تسبق قدرة الحكومة بالفعل- التى يفترض أنها المنظم- على المتابعة والتقييم والاعتماد، لكن لا يفل الرقمى إلا الرقمى، والتكنولجيا والبرمجيات المناسبة وقواعد البيانات توفر لأى حكومة إمكانية واسعة لتسجيل كافة المتعاملين وسهولة متابعة معاملاتهم. ■ انهارت العملات الرقمية (كريبتو كارنسيز) كما توقعت ولكن هل يمكن أن تصدر البنوك المركزية عملات إلكترونية تعتمدها وتراقبها؟ - لو تبادل شخصان شرائح الهاتف أو علب السجائر أو الأطعمة مثلا فيما بينهما كعملة فلن يحتاجا إلى أى نظام يحكم المبادلة أو تسويتها، ولو اتسع نطاق معاملاتهم ليشمل أصولا مادية أو عينية ليصبح جزءا من نظام الدفع فلابد من تنظيم قانونى وطرف يقيم ويحدد السعر العادل ويضمن التزام كل طرف بما له أو عليه، إذن فلابد من سلطة نقدية لتصدر تلك العملة ويضمن قوة إبرائها ويضمن تناسب حجم وجودها فى الأسواق مع حجم ما هو موجود من سلع وخدمات، حتى لا يحدث انفلات فى الأسعار. فإذا كانت العملة الرقمية مشفرة مثل «البيت كوين»- أو المسماة خطأ عملة- فيجب أن تنطبق عليها تلك القواعد وإلا لا يمكن الاعتراف بها، وقد رأينا كيف انهارت أسعارها فى الأشهر الأخيرة، لكن ربما فى مستقبل ليس ببعيد قد تظهر عملات رقمية تصدرها البنوك المركزية وتضبط إصدارها وتعاير قيمتها، وطبيعى أن من قام بالمضاربة على العملات الرقمية غير الرسمية سيقاوم هذا التحول. ■ هل تنجح جهود روسيا والصين والهند بل والاتحاد الأوروبى فى خلق نظام تسوية مدفوعات بديل للدولار؟ - عندما يكون لعملة قوة إبراء شاملة فى بلدها تتم بها كل التسويات وتكون ذات قبول عام، لكن حتى داخل الدولة فإنه فى حالة عدم الاستقرار فإن البعض يلجأ إلى عملات أخرى لضمان الحفاظ على قيمة أمواله، وإذا تطورت العملة أكثر تصبح إقليمية القبول كعملات بعض دول الخليج، وإذا زاد حظها تصبح دولية أى تتم بها تسوية أى معاملات فى أى بلد عبر العالم، وإذا تطورت أكثر تتحول إلى ما يعرف بعملة احتياطى دولى، وهذا الصنف لا يوجد منه إلا خمس عملات هى الدولار واليورو والين والإسترلينى، ومؤخرا اليوان، ويضاف إليه أحيانا الفرنك السويسرى. ■ وعليه؟ - العملة لا تطلب لذاتها وإنما لوظائفها، فإذا وجدت أى دولة أن مصلحتها التجارية والاستثمارية يمكن أن تتحقق مع عملة ما فستسخدمها، المهم أن تكون مستقرة وتصلح كعملة احتياط ولتسوية المدفوعات، ويتوقف الأمر على الفحص الدقيق لشركائك وما تستقبله منهم من استثمارات أو تقترضه، وأين تستثمر أنت احتياطاتك ووزن كل منطقة فى تجارتك الخارجية وتوظيفاتك، بما يمكن أن يشكل سلة عملات بأوزان التجارة الدولية. ■ أقامت مصر أخيرا صندوقها السيادى فما رؤيتك؟ - منذ سنوات طويلة وأنا أدعو إلى أن يكون لمصر أكثر من صندوق سيادى لإدارة الثروة والأصول المملوكة للدولة. الصناديق السيادية وجدت فى المنطقة العربية منذ نهاية الخمسينيات، وكانت الكويت سباقة ولحقت بها دول بترولية كثيرة، لتفادى أثر التقلبات فى الأسعار من ناحية ولتوظيف جزء من الفائض لصالح الأجيال المقبلة من ناحية أخرى.. وأرى أن الدول العربية بحاجة أولا لصناديق تراكم ادخارى، نظرا للضعف الشديد فى معدل الادخار بدول المنطقة والذى انخفض أكثر خلال السبع سنوات الأخيرة، وأقصد ادخار الأفراد والقطاع الخاص والحكومة معا، أى إجمالى الادخار المحلى. وفى شرق آسيا تنبهوا مبكرا إلى أهمية الادخار ومعه تشغيل مؤسسات الحكومة بكفاءة حتى تحقق فوائض بدلا من أن تستنزف ما هو موجود من مدخرات، وهناك حاجة أيضا إلى صناديق لإدارة الأصول الموجودة مع إدارة محترفة وقواعد رقابية وإشرافية محكمة، وفى حالة وجود تدفقات مالية من العملات الأجنبية ترتبط بثروات طبيعية صناديق تدير الاحتياطى من النقد الأجنبى. وأشهر أنواع الصناديق السيادية وأكثرها خضوعا للحوكمة والشفافية بل وأكبرها حجما، هو الموجود بالنرويج، وهناك أيضا صندوقان ناجحان فى سنغافورة، ومن المفيد لنا أن تكون الصناديق محددة الهدف- لا تعيد اختراع العجلة- وعلينا فى مصر أن نستفيد من تجارب وخبرات الداخل والخارج - ونتفادى التعقيدات التى تؤدى إلى ضياع المسؤولية. ■ تتباين الآراء بشأن إمكانية حدوث أزمة مالية ونقدية واقتصادية عالمية جديدة أين تقف أنت؟ - هناك من يتخوف من اندلاع أزمة بالفعل وأن العالم فى مواجهتها سيكون أقل فاعلية، نظرا لاندلاع نزاعات كبيرة بين أطراف النظام الدولى الآن، وأبرزها النزاعات التجارية، فضلا عن ارتفاع ديون بعض الدول وديون الشركات، وهناك من يرى أن الموجود اختلالات كبيرة لكنها لن تقود إلى أزمة لكن بعض الاضطرابات، والسوق تعمل بدرجة من الكفاءة والتجارة تتدفق وحركة الأموال تعمل رغم هذه الاضطرابات والاختلالات. وفى النهاية، أحوال الدول تتفاوت، وكما رأينا ففى كل وضع فرصة وتحدٍ، والأهم أن تستعد الدولة المعنية وتقوم بالتدابير المناسبة للحماية من المخاطر وتقليل أثر العدوى من أزمات تصيب دولا أخرى، وأن تتبع سياسات اقتصادية ثابتة. ■ ما الرسائل الأساسية فى النهاية؟ - هدفى يتلخص فى ثلاث رسائل أساسية، أهمية السياسات المتكاملة مع حسن التوقيت والتنسيق، المؤسسات القائمة على التنفيذ وكفاءتها وسلامة هياكلها، وأخيرا، الإدماج الفعال لعموم الناس فى الشأن الاقتصادى والتنموى عموما.    

رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.