رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

بدأت الخاطرة رقم(1) بهذه السطور: "عندما انتهى العام الثاني والسبعين من رحلتي مع الحياة .. بدأت حياة جديدة تماما .. كل شيء فيها بدأ يتغير حولي .. لا أعرف هل هذه هي إرادة الله سبحانه وتعالى .. أم أنني فعلا وبتوفيق منه حققت كل ما يتمنى الانسان تحقيقه، ولذا بدأت عجلة الحياة تتوقف لفترة أتريث فيها وأترك العنان لفكري الذي أنهك طوال 60 عاما من العمل المتواصل".
سألني البعض ماذا عنيت ببداية حياة جديدة .. وأيضا عنوان الخاطرة : (العمدة باع أرضه يا ولاد). فقررت قبل البدء في كتابة الخاطرة رقم (2) أن أرد على تلك الاستفسارات. في اليوم الذي قررت فيه تدوين خواطري عن رحلتي مع الحياة منذ الميلاد وحتى اليوم الذي قررت فيه الكتابة قلت أبدأ من بدايات التعليم ومن خلال تلك المراحل سأعرج على مشواري الطويل بكل ما فيه من أحداث وسأترك العنان لما تبقى في الذاكرة لأسرده لأحقق رغبة أولادي في ترك حياتي مدونة لهم في كتاب سيشملوه بعنايتهم. نعم العمدة باع أرضه .. حيث بعت فدان وقيراط من مزرعتي في الريف الأوروبي .. وفي الوقت نفسه تركت العمل في التلفزيون .. وشعرت بأنه هناك تغيير كبير في الحياة التي تعودت عليها منذ أن وعيت الحياة الى وقتنا الحالي .. فأنا لا أفرط بسهولة في شيء إشتريته بغرض الاستمتاع به، وأيضا بالنسبة للعمل فكان لدي احساس إنني سأظل أعمل حتى اللحظة الأخيرة من العمر .. ولكن وكما نقول للضرورة أحكام وتركني العمل .. وحكمت على هذه الضرورة بتغيير معتقداتي .. ولكني متأكد أنني لم أتغير كثيرا فأنا أجلس على مكتبي في المزرعة كل يوم ما لا يقل عن 10 ساعات أحرر جريدة العالم الجديد وأستعد لانشاء قناة فيديو أبث من خلالها بعض الأعمال التي أعمل عليها الآن.. هذا غير هذه السطور.
أعود الى الخاطرة رقم (2) وأبدء من حيث توقفت. بعد أن حصلت على الشهادة الاعدادية الصناعية في نفس الوقت كان والدي قد اضطر الى غلق ورش النجارة التي يملكها بسبب خطاب استلمه من مصلحة الضرائب يطالبه بتسديد مبالغ باهظة .. ولتلك المبالغ قصة لا بد من ذكرها الآن .. في يوم أتي إلى والدي رجل غريب عن بلدنا وجلس معه في ورشته .. وطلب جهاز لابنته العروسة .. وكلمة جهاز هي تعبير مجازي عن الموبيليا التي يحتاجها كل عروسين مثل حجرة النوم والطعام والصالون وبعض الأشياء الأخرى مثل المطبخ وأحيانا طقم أنتريه ودولاب خاص للراديو .. فالتلفزيون لم يكن موجودا تلك الفترة.
الرجل سأل والدي عن الأسعار وعن الأعمال التي تم انجازها مؤخرا وكم هم عدد العمال وكم من الورش يملك .. وبالطبع إذا كان الزبون يسأل فلا بد أن الاجابات تؤكد بأن أعمالك تملأ البلد والبلاد اللي حولها .. وكان الوالد سخيا في الاجابات حيث أفرط في إعطاء الزبون أرقاما تؤكد أنه اختار أهم وأفضل ورشة موبيليا في البلد بل وفي المحافظة كلها.
ترك الرجل الوالد والورشة على وعد بالحضور مرة ثانية لدفع العربون لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. تمر الأيام ولم يحضر الرجل ولكن أتي المحضر ومعه حكم بدفع الضرائب التي فرضت عليه نتيجة هذاالحوار أو الغلق بالشمع الأحمر لحين الدفع أو الحجز على كل ما هو موجود في الورش. وبالفعل.. تم إغلاق الورش بالشمع الأحمر وانتهت علاقة الوالد بتلك الورش تماما وبدأ هو مرحلة جديدة في حياته حيث توقف عن صنع أجهزة العرايس التي اشتهر بها وبدأ في صنع موبيليا متفردة مثل صنع سرير أو دولاب أو رف للراديو، كان والدي اشتهر بصناعة قطعة موبيليا اسمها أجزخانة وهي تشبة رف الراديو ولكن لها زجاج جرار توضع في حجرة النوم وتحفظ فيها كل الأدوية الخاصة بالأسرة وكانت تستخدم كشماعة لملابس غرفة النوم. بسبب عدم وجود مكان لصنع الموبيليا اضطر والدي للسفر الى القرى والنجوع ويمكث هناك لأيام لكسب الرزق وكان يعود محملا بالسمن والأرز والغلال، هذا الرجل الذي عمل مع الجيش الانجليزي في ورش بلبيس لصنع دباشك البنادق وأصبح مثل أغنياء الحرب فكان ينفق على أصحابه في الكافيه الخاص بجدي المعلم فاضل الشامي ما يقرب من عشرة جنيهات على الأقل كل يوم ما بين المزاج المشاريب ولعب الطاولة التي كان يعشقها.. هذا كان وأنا في سن ربما السادسة من العمر تلك الفترة .. كنت أذهب إليه إلى الكافيه فيأمر واحدا من العمال بأن يذهب الى الفاكهاني ليشتري منه من كل أنواع الفاكهة الموجودة عنده ثم يضعها في عربة حنطور ويطلب منه أن يذهب بي وبالفاكهة إلى المنزل.
كنت أرى والدي دائما يرتدي بدل يصنعها له صبحي وهو أشهر ترزي في البلد .. لا يتعامل الا مع الأقمشة الانجليزية مثل الهيلد .. وكان دولاب والدي به عدد من هذه البلد بكل الألوان .. وكان سخي على الجميع على عماتي وعلى والدته التي احتضنتي منذ كنت طفلا .. وكنت أرى والدي خلال سنوات وهو يدق على شباك غرفة ستي وأفتح له الشباك ثم يلقي بأكياس الفاكهة ويضع في يدي نقود فضية يطلب مني أعطيها لستي ويقول لي .. أوعك تقول لأمك يا محمد .. هكذا عشت أيام اليسر التي مرت على الوالد .. ولكن الآن وأنا في أشد الحاجة اليه لم أجد المبلغ الذي سيلحقني بالمدرسة الثانوية الصناعية. هذه بعض من الذكريات التي أتذكرها في طفولتي وهناك الكثير سأعود اليه من حين الى آخر.



أعود الآن لبقية قصة الدراسة .. نحن الآن في الأجازة الصيفية ومعي أوراق التقديم للمرحلة الثانوية الصناعية .. وفي تلك الفترة كانت المصروفات حوالي سبعة جنيهات لا يملكها الوالد الذي كان ينفق في سهراته في مقهى جدي المعلم فاضل يوميا اكثر من عشرة جنيهات قبل اغلاق ورش النجارة خاصته.

قال لي والدي .. إذهب الى منزل خالي الحاج محمود سلام وأطلب منه قيمة المصروفات وقل له بأنني سأسدد المبلغ لاحقا إن شاء الله. لابد من كتابة الحوار الذي دار بيني وبين خال والدي والذي لم أستطع نسيانه لأن نتيجته كانت البداية لحياة جديدة تماما ..
طرقت الباب ففتحته حرم خالي.. إتفضل يا محمد يا إبني .. إنها لم ترزق بأطفال وبعد أن وصلت بالسن عتيا فقدت الأمل تماما في الإنجاب ولهذا فكانت تستقبلني بحنان وكأنها تريد أن تعوض أمومتها المفقودة. أذكر أنه عندما رزق والدي بشقيقي الثالث عادل أن الحاج محمود سلام طلب من والدي أن يتبناه وفرحت أمي فرحا شديدا فالحاج محمود من الأثرياء ويملك الأطيان والعمارات .. أذكر ما قاله والدي لأمي هذا اليوم .. "يا ولية يا مجنونة إنتي عاوزه الواد يموت من الجوع.. ده خالي وأنا عارفه .. ده عايش على البتنجان المخلل والعيش الناشف .. يا وليه بكره تفرج وينصلح الحال". سألتها عن الحاج محمود فأخبرتني أنه يجلس في حوش المنزل في الشمس .. السلام عليكم يا خالي .. فرد أهلن بك يا إبن إبن اختي العزيز (لابد من أذكر هنا كيف كان ينطق اللغة العربية فهو كإمام مسجد وخريج الأزهر ومدرس للغة العربية فكانت عربيته مثل الفقهاء او مقرئي القرآن).. كان يرتق حذائه وهو (خف) مصنوع من القماش .. وبجواره طبق به بعض من البانجان المخلل ولقيمات من الخبز .. فعزم علي فشكرته . قال : كيف حال والدك ووالدتك وأخواتك.. قلت: كلهم بخير والحمد لله.. على الفور قلت له: أنا نجحت في الشهادة الاعدادية وأريد الالتحاق بالمرحلة الثانوية ووالدي لا يملك المصروفات ولا استطيع تقديم الأوراق إلا بعد توفير المصروفات .. وقال لي والدي بأنك ستعطيني المبلغ المطلوب وسيقوم هو بتسديده لك بعد ذلك.
إعتدل في جلسته ونظر إلي قائلا وفي لهجة حزينة .. منين يا إبن إبن أختي .. سامح الله والدك .. أنه يظن أنني أملك الأموال الطائلة .. أنظر الى الحائط خلفك .. أين هي ساعة الحائط لقد قمت برهنها لكي أقتات .. أنظر الى حذائي الذي إنتهى عمره من سنوات أقوم برتئه لأني لا أملك ثمن حذاء جديد .. يا محمد .. أخبر والدك بألا يسبب لي الإحراج معكم مرة ثانية. وعندما إنذرفت دموعي وشعرت بخيبة الأمل تقديم أوراقي للمدرسة الثانوية قال لي .. إسمع يا إبن إبن أختي العزيز أطلب من أبوك أن يحضر لي شنطة العدة (يقصد الشنطة التي بها معدات صناعة الموبيليا اليدوية التي يملكها والدي) وستكون عندي رهان لحين سداد المبلغ الذي سأحاول أن أحضره لك من صديق لي.

خرجت من عنده على أمل أن يلبي والدي الطلب ويرهن عند خاله الشنطة المطلوبة ولكن الوالد بالطبع رفض فهي آخر ما تبقى له من مملكة النجارة التي كان يملكها في يوم من الأيام. هنا لي وقفة لاغلاق هذا الفصل وبدء مرحلة جديدة من حياتي وأعتقد أنها محطة مهمة وبها الكثير من التغيرات الجذرية في مسيرتي الحياتية.

كان لوالد زميل لي في المدرسة واسمه سمير فرن أفرنجي، هذا الفرن هو الأول من نوعه في مدينة السنبلاوين تلك الفترة .. فوالد سمير جزار مشهور جدا في البلد .. ولكنه أراد أن يضيف إلى نشاطه فتح فرن لعمل الخبز الافرنجي وكل أنواع المخبوزات الافرنجية التي كانت تأتينا من المنصورة.. فكنت أذهب لزميلي سمير وأقف معه في الفرن في بعض الأحيان خصوصا عندما كان يجلس على كرسي مكتب والده ويقوم هو بالبيع والتعامل مع العمال. لا أتذكر بالضبط كيف بدأت العمل في هذا الفرن فنحن في أجازة المدارس السنوية وفي يوم طلب مني والد سمير أن أشرف على طاولات الخبز المرصوصة على رصيف الفرن في الخارج في انتظار الحمالين للقيام لتوزيعها على عملاء الفرن من أصحاب المحال في المدينة.. ويوم بعد يوم وجدت نفسي منغمسا في العمل خصوصا وأنني كنت أحصل على مبلغ خمسة قروش كل يوم وشنطة بها أنواع متنوعة من الخبز الفينو والشامي أعطيها لأمي قبل أن أستلقي على الفراش لأريح جسدي الضئيل من عناء العمل طوال ساعات الليل. الأجازة الصيفية تمر سريعا .. ولم أستطع توفير مبلغ لتقديم مصروفات المرحلة الثانوية .. وجاء الفرج .. عبر رسالة أرسلها لي صديقي سعيد شبانه من القاهرة .. وسعيد قصة صداقته معي بدأت من الصف الأول الابتدائي وانتهت بإنتقاله الى الرفيق الأعلى منذ سنوات وهو ليس صديق دراسة فقط ولكنه رفيق دربي في الدراسة والعمل والجيش والغربة. وسوف يكون له شأن كبير في مشواري الطويل مع الحياة.
اكتفي الى هذا القدر عن تلك الفترة. وإلى لقاء آخر مع رسالة سعيد شبانه وفحواها في الخاطرة القادمة. محمد متولي فضل (العمدة) 25 نوفمبر 2018


رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.