رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

التقطت هذه الصورة منذ 69 عام في أحد استوديوهات الاسكندرية .. والدي رحمة الله عليه وعلى امي وأموات المسلمين اصطحبني معه في رحلة الى مدينة الاسكندرية لشراء اخشاب لورشة الموبيليا التي يمتلكها في بلدنا السنبلاوين وايضا للقاء اصدقاء له اذكر منزلهم ووجوههم الان ولكني لا اتذكر اسمائهم او حتى من هم ولكن هاهو المنزل أمام عيني الآن في احد احياء الاسكندرية في المنشية .. حجرة نوم اقطنها مع والدي شبابيك الحجرة اطول بكثير من الشبابيك الموجودة في باقي المنازل وعلى جانبي المنزل محلات تجارية كثيرة تبيع كل شيء. اذكر انه كل صباح يأتو لنا بكوب الشاي باللبن والبقسماط وبعد ذلك الفطار احيانا البيض بالبسطرمة والفلافل الاسكندراني بطعم الكفتة واحيانا الفول والعديد من انواع الأجبان.
وكانت الحياة في هذا البلد الجميل هادئة ومنازلها رائعة التصميم والشوارع نظيفة وكانت تختلف كثيرا عن المنازل الموجودة في بلدي السنبلاوين او حتى المنصورة التي كنت اذهب اليها وانا في هذا السن مع والدتي او والدي.
قصص عديدة خطرت على عقلي خصوصا بعدما وجدت هذه الصورة في ارشيفي منها قصة بحر الاسكندرية والبحث عني على شواطئه لساعات.
فبينما كنت جالس مع العائلة التي استضافتنا وكما قلت هم مقربون جدا لوالدي .. صديق والدي استأجر مركب صغير وأخذني مع اولاده منهم من كان في عمري تلك الفترة وذهب بنا لمسافات طويلة في المياه الهادئة .. وعندما لم يجدني والدي جن جنونه وراح يبحث عني في كل شبر على رمال البلاج، لا اتذكر اسم البلاج الآن ولكنه كان قريبا من الحي الذي استضافنا فيه صديق والدي.
بعد الرحلة البحرية عاد بنا صديق والدي الى البلاج وراح يبحث عن والدي الذي نصحه البعض بالذهاب الى قسم الشرطة لعمل بلاغ بفقدي .. وبعد ساعتين حضر الوالد واذكر انه عندما رآني لم يحتضني او يقول اي شيء ولم يعاتب حتى صديقه ولكنه مد يديه ليلتقط يدي النحيلة في يديه وسرنا في شوارع الاسكندرية وقبل العودة الى المنزل ادخلني واحد من المطاعم المشهورة هناك واتذكر الآن هذا الطاجن المملوء باللحم والبامية وطبق الشوربة والارز الابيض والسلاطات..
عاد والدي الى المنزل وكان قد عقد العزم على الرجوع الى بلدنا السنبلاوين بعد يوم مما حدث لي على البلاج ولذلك قرر ان نقوم بقضاء فسحة طويلة في شوارع الاسكندرية التجارية .. في مكان ما وجد والدي زحام شديد على شاب وقف وأمامة طاولة مملوءة بأحجبة ورقية والكل يشتري الحجاب الورقي وكان يقوم البائع يطعن الحجاب بسكين في قلبه ويخرج منه الورق وكانت النقود تتدفق منه على الطاولة ويعطيها لمن اشترى الحجاب الرابح منه .. واستمر الحال لفترة طويلة والاحجبة تتساقط منها الاموال الفضية والورقية والكل يكسب ووالدي تسمرت قدماه في الارض ولا يريد ترك المكان وفجأة اخرج من جيبه بعض النقود واشترى حجاب ثم حجاب اخر واخر واستمر الحال يكسب ويخسر الى ان خسر كل ما معه من نقود.. وبدلا من الفسحة عاد المنزل واخبر صديقه بما تم فأخبره بأنه كان صيد ثمين لهؤلاء البشر فالمكاسب التي رآها فهي لمجموعة من الأفراد الذين يعملون مع الشاب الذي يبيع الاحجبة.. وقال له تعيش يا صاحبي وتاخد غيرها .. كل هذا وانا لا أعرف ماذا حدث .. بالطبع بعدما كبرت فهمت .. الذي حدث هو أن الوالد خسر كل النقود التي تبقت معه في الرحلة على شراء أحجبة الحظ المغشوشة .. وبعدما كبرت عرفت ان كبرياء ابي منعه من ان يطلب اية نقود من صديقه وركبنا القطار وعندما أتى الكمساري خبأني في الرف أعلى الكرسي وطلب من الركاب دفع قيمة التذكرة له.
اذكر ان الكمساري سمعني انادي على والدي ليأخذني الحمام فرآني الكمساري فطلب منه نصف تذكرة اخرى وبالفعل واحد من الركاب خلع الطاقية وراح يجمع قيمة التذكرة وعدنا الى القاهرة وليس معنا اي شيء سوى هذه الصورة التي أوحت الي بكتابة هذه الخاطرة. رحم الله والدي وأدخله فسيح جناته القاهرة السبت 23 نوفمبر 2019 الى لقاء آخر في خاطرة أخرى آخر تعديل على السبت, 23 نوفمبر 2019

رأيك في الموضوع

HELIX_NO_MODULE_OFFCANVAS