رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

اليوم هو ذكرى رحيل الأستاذ محمود السعدني ولقبه هو الاستاذ فعلا فمنه تعلمنا حب الوطن والتضحية من اجله.
كنت من المهتمين بكل ما يكتبه الراحل في بداية حياتي العملية ولأني بدأتها وانا في سر الخامسة عشر وكان هذا في بداية الستينيات وهي الفترة التي تبلورت فيه طموحاتي كشاب عاشق للفن بكل انواعه الكتابة والسينما والمسرح فكنت اقرأ العديد من المجلات مثل صباح الخير وروز اليوسف اضافة الى مجلة المسرح التي كنت حريص على اقتنائها لتناولها نص مسرحي عالمي كل عدد تقريبا.
في عام من الأعوام نشر السعدني مقالة عن صلاح ابو سيف انتقده فيها ومقالته تضمنت رسم كارتوني وابو سيف يحمل سيف ولكن الجسد ليس جسده! .. ولأنني كنت متواجد مع الاستاذ صلاح ابو سيف يوميا تقريبا وجدته مستاءا جدا من المقالة ومن الرسم .. واذكر انه تم الصلح بينهما بعد ذلك بفترة ليست بالقصيرة. هذا جعلني متابع جيد لكل ما يكتبه السعدني تلك الفترة وهي فترة الستينيات الغنية بالثقافة فكانت القراءة والراديو هي المجال الوحيد امام الشباب الباحث عن الثقافة.
تمر الأيام ويتفرق الأحباب لأسباب سياسية كثيرة فالسعدني يعيش بعيدا عن وطنه الذي يعشقه لاختلافه مع السياسيين تلك الفترة وأنا أذهب الى لندن عقب انتصارات اكتوبر التي شاركت فيها وفي لندن مررت بعدد من دور النشر الأولى كانت شركة بريطانية تقوم بترجمة اكثر من 70 لغة وايضا كانت تقوم بطباعة عدد من المجلات والروايات باللغة العربية. وعندما بدأت العمل معهم في 1976 كانت الشركة بصدد نشر كتب باللغة العربية تخدم السياحة العربية منها "لندن جايد" اي دليل لندن بالعربي وايضا مجلة عالم الطباعة باللغتين العربية والفارسية.. وعندما علمت ان صاحب الشركة يهودي الجنسية فلم اتحمل البقاء في العمل معه وفضلت ترك الشركة على ان اكون تحت امرة يهودي بالرغم من انه كان يقدم لنا كل العون حتى اعيادنا كان يحتفل بها معنا وكان يكثر من دعواته الاجتماعية لنا في منزله الكبير في منطقة ايلنج الا اني من النوع الذي تربى في حقبة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ولم أتوقع في يوم أن اتعرف على اسرائيلي (علمت بعد ذلك ان الصهيونية تختلف عن الكثير من اليهود).
انتقلت للعمل في شركة اخرى للنشر في لندن وتركتها بالاتفاق مع اصحابها عندما تقدمت للعمل في جريدة العرب الدولية وذلك في فترة الاعداد لها قبل صدورها وحكاية الالتحاق بالجريدة كان له قصة طريفة ربما اعرج اليها لاحقا.
في العرب كانت بداية حياتي الاعلامية في لندن فالشركة البريطانية كانت شركة نشر لكتب ومجلات مترجمة وايضا ترجمة لأكثر من 70 لغة. أما العرب فهي دار نشر لصحيفة العرب العالمية أول جريدة عربية تصدر من اوروبا وبعد فترة من العمل فيها والنجاح واكتساب ثقة رئيس تحريرها الاستاذ رشاد الهوني مؤسس الجريدة مع عمه الحاج الصالحين الهوني فوجئنا بزيارة السادات لاسرائيل وهنا تغير مسار حياتي تماما حيث حضر الكاتب الساخر الكبير محمود السعدني الى لندن وفي يوم ذهبت مع الاستاذ السعدني واخي ومعلمي وصديقي الحميم محمد محفوظ فهو الجامعة التي تعلمت فيها الاخراج الصحفي وكيف اكون صحفيا ناجحا ومتميزا محفوظ قال لي النهاردة انا ذاهب لزيارة شخصية خليجية مهمة واريدك معي .. وبالفعل ذهبت معه وعرفت ان الشخصية هو الاستاذ تريم عمران من الشارقة (وهو ناصري حتى النخاع) ودار الحوار حول اصدار مطبوعة يرأس تحريرها الاستاذ محمود السعدني والحوار تناول امور عديدة تتعلق بالتمويل وكيفية العمل واصدار المطبوعة من لندن وتوزيعها في جميع انحاء العالم .. وبالفعل تم تسمية المطبوعة بـ" 23 يوليو" وشارك في اعدادها عشرات من كتاب الاعلاميين والكتاب والمفكرين المصريين اذكر منهم الاساتذة بكر الشرقاوي، الفريد فرج، أحمد عباس صالح, عاصم حنفي، والسياسي نور السيد, ورسامي الكاريكاتير جورج البهجوري, والليثي وغيرهم كثير من كبار الاعلاميين من مصر من الذين هجروها بعد اتفاقية السلام ومن الاعلاميين المقيمين في لندن ودول اوروبا وامريكا ايضا. اخي وصديقي محمد مجفوظ قال لي : بهدوئه المعهود انا عاوزك معايا .. فقلت له لابد من الاستئذان من الاستاذ رشاد الهوني .. فقال لي رشاد الهوني لن يوافق على ان تترك الجريدة ولكن مصر تحتاجك الآن نحن مقدمين على مرحلة تطبيع مع عدو صهيوني غادر وأنت بطبيعتك مقاتل ومحب لمصر وتاريخ مصر فلابد من وجودك معي ومع مجموعة كبيرة من الناصريين وكفاية انه يقودها محمود السعدني وانا عارف انك تحب كتاباته.
فعلا تركت العرب وتوجهت للعمل في مجلة 23 يوليو التي كانت تشبه الى حد كبير مجلتي صباح الخير وروز يوسف فمعظم العاملين في 23 يوليو من مدرسة صباح الخير.
علاقتي توطدت مع الكاتب الكبير محمود السعدني واصبح بيننا ود اعلامي ملحوظ فكنت اتذوق كتاباته وانتظر صفحته الوالد الشقي كل اسبوع بفارغ الصبر حتى اعيش لحظات من الفرح والسعادة وانا اقرأها فله اسلوب ساخر لاذع انفرد به طوال حياته الاعلامية.
عندما ترك محمود السعدني لندن لاصدار المطبوعة من مدينة الشارقة اخذ معه عدد من الزملاء منهم بالطبع محمد محفوظ والاستاذ يسري حسين وعدد من العاملين في لندن ولانني ارتبطت بلندن فلم اذهب معهم وبدأت حياتي العملية في مطبوعات دار الصحافة العربية وهي الشركة السعودية للابحاث والتسويق التي كانت تصدر جريدة من 8 صفحات يومية 5 أيام في الاسبوع وتمر الايام سريعة وتصبح يومية وتصدر في 16 صفحة ثم 32 ثم ملاحق يومية وبدأت الشركة تتوسع في نشر المجلات الفخمة بدأت بمجلة المجلة ثم سيدتي ومجلة الرجل ومجلة هي ثم عشرات المجلات بعدها.
كنت قد بدأت في اجراء حوارات مع رؤساء تحرير بعض المطبوعات الخليجية وكانت العزيزة الراحلة ابنة بلدي السنبلاوين فوزية سلامة كانت رحبت بفكرة اجراء حوارات مع رؤساء التحرير الذين تركوا مناصبهم ومعرفة ما يفعلون مع ذويهم وذلك خلال عملها كمسؤولة تحرير لمجلة الشرق الاوسط.
الأستاذ عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير مجلة المجلة والرجل تلك الفترة عرضت عليه فكرة اجراء حوار مع الاستاذ محمود السعدني كما وسبق ان طلب مني الاستاذ عثمان العمير مني اجراء حوار مع الاستاذ رشاد الهوني بعد تركه جريدة العرب لعمه الحاج الصالحين الهوني ورحب الراشد بالفكرة.
عندما اتصلت بالاستاذ محمود السعدني وطلبت منه اجراء حوارا معه فحدننا الموعد في شقته في ستيوارت تاور نفس البرج السكاني الذي كان يقطنه الفريد فرج وصلاح ابو سيف وهو نفسه الذي اقدمت سعاد حسني على الانتحار منه. تجولنا في شارعي اوكسفورد حتى البيكاديللي مشيا على الأقدام وكان معنا الزميل العزيز والابن البار نجله أكرم السعدني وعندما مررنا في شارع ريجنت رأي السعدني الكبير ماسح احذية بريطاني فقال لي تعالى نمسح الحذاء عنده وقال ياسلام ع الدنيا لما البريطاني اللي استعمر بلادنا يمسح لي "الجزمة" فقلت له دي تبقى صورة الغلاف.
كانت رحلة يوم التصوير من اجمل الايام عرجنا على محلات فوتو فيديو التي يملكها اخونا مصطفى درويش صاحب اكبر محلات لبيع الجرائد والكتب العربية وكان اول محل لانتاج افلام الفيديو في لندن وذلك قبل انشاء اية قناة فضائية وكان المحل مزار كل كبار الشخصيات المصرية والعربية الخليجية ثم سرنا حتى كوينزووي وذهبنا الى محل اخونا احمد السحيتي الذي توفي مؤخرا وجلسنا خارج المحل لنشرب القهوة ونأكل الحلويات التي تصنعه زوجة احمدالبرتغالية الاصل.
عندما اعطيت الحوار والصور للاستاذ عبد الرحمن الراشد اختار صورة ماسح الاحذية لتكون الغلاف .. وشعرت بحزنه الشديد عندما صدر العدد ولم يتم نشر الصورة التي اختارها.
هذه واحدة من القصص التي انتوي نشرها من حين الى آخر في خواطري .. ففي هذه المناسبة ميلاد الكبير بتاعنا عمنا محمود السعدني فندعو له بالرحمة وبطول العمر لعائلته الصديق اكرم وشقيقته وبقية عائلة السعدني.
بالمناسبة عندما رجعت للعيش في القاهرة بعد 30 عاما في لندن حاولت الذهاب لزيارة الأستاذ السعدني لم يسمح بسبب مرضه ويوم وفاته ذهبت للعزاء في مقر نادي الصحفيين على نيل مصر وكنت اعمل في جريدة الشرق الاوسط في لندن وبالفعل قمنا بتغطية حفل التأبين .. رحم الله السعدني فكان الاستاذ والمعلم.

والى لقاء اخر ان شاء الله القاهرة في يوم 20 نوفمبر2020 ذكرى ميلاد الكبير الاستاذ محمود السعدني

تحميل المرفقات :

رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.