رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

سافرت الي لندن في عام 1976 وليلة وصولي الى عاصمة الضباب .. عرفت لماذا اطلق عليها هذه الصفة فأثناء ذهابي الى العنوان الذي سأعمل فيه بدت سماء لندن لي وكأن بها حريق كبير والدخان ينبعث من كل مكان ولأني لا أعرف وسائل التدفئة لديهم تلك الفترة فكانت الدفايات في المنازل تعمل بالفحم وعلى سطح كل منزل مداخن من الفخار ينبعث منهم جميعا هذا الدخان الكثيف.
بالرغم من أني استخدمت وسائل المواصلات من المطار الى منطقة ايلنج برودواي بالأتوبيس بعد أن وصفها لي خالي اسماعيل الشامي الله يرحمه وليس ذلك بل اعطاني عملة بريطانية من فئة الـ 10 بنسات والـ 2 بنس يعني 2 قرش. الا اني وجدت نفسي في ايلنج واقفا أمام محطة مترو الأنفاق ومعي حقيبتين وخمسون جنيه استرليني والفكة التي اعطاني اياها خالي .. حاولت الاتصال بمحسن غزي الله يرحمه فلم يرد على الهاتف وطبعا كان التليفون ارضي من التليفونات المتراصة في كل مكان في الشوارع ومحطات المواصلات. بالطبع لأن الموبايل وكل هذه التكنولوجيا لم تكن موجودة تلك الفترة. حاولت مرة ثانية بعد فترة فرد واخبرني لا تأتي الى الشركة والمنزل بجوار المحطة وقال لي اسأل اي سأئق تاكسي فسيشير لك على الشارع فهو ملاصق للمحطة.
فعلا اوقفت تاكسي وسألته عن العنوان فبالطبع عندما اعطيته الورقة قال لي اصعد وبالامانة ساعدني في وضع الحقائب بنفسه في التاكسي وذهب بي الى العنوان طبعا الطريق كان طريق واحد فكان لا بد من اللف حول الشارع الذي انا ذاهب اليه.
نظر الى المنزل وقال لي هذا هو العنوان ومنحته خمسة جنيهات وأعاد لي الباقي.
ازداد الضباب في عنان السماء ولم ارى الى زخات المطر تنهمر على رأسي فأدخلت الحقائق في بهو المنزل الكبير ـ طبعا من الخارج امام الباب الرئيسي ـ المنزل مظلم تماما والشارع اكثر ظلاما وزخات المطر تزداد عنفا فجلست على الحقيبة الخاصة بي والتي بها ملابسي وأوراقي اما الحقيبة الثانية فهي لمحسن غزي وشقيقه رؤوف (لهما قصة غنية بالمعلومات سأعرج اليها في مرة قادمة)، وكنت قد نوهت اليهما في قصة سفري الى لندن بسببهما بعدما التقيت بوالدهما.
الحق يقال .. شعرت بغصة في قلبي خصوصا وان وقوفي امام المنزل زاد عن الثلاث ساعات ولم يأت احد لينتشلني من هذا المكان الموحش. والأوحش منه انني رحت افكر في السبب الذي جعلني اضحي بالسفر الى ليبيا مدرسا في واحدة من المدارس الصناعية الثانوية لأعلم الطلبة علوم المونوتيي الذي كنت اقوم بتدريسه في مركز التدريب المهني للطباعة في امبابة بمصر.
زادت حرقتي وبالفعل انسابت من عيني قطرات من المياه امتزجت برزاز المطر الذي بعثته الرياح الى وجهي الحزين.
جاء الفرج سيارة دخلت في حوش المنزل ووقفت امام الباب واذا بشابين بسم الله ما شاء الله ومعهما فتاتان ملكات جمال.
احنا اسفين جدا الاستاذ مين .. اجبته محمد. قالا اهلن بيك معنا في لندن بابا وماما كلمونا عنك كتير .. بين حمدا لله على سلامتك محسن يكلمني ورؤوف يفتح الباب والحقيقة كانوا رجالا فهم نجلا الاستاذ احمد غزي صاحب مطبعة غزي وهي متخصصة في طباعة كتب اساتذة الجامعات في مصر كلها. فحملا الحقائب وصعدا بها الى الدور الثاني واضيئت الانوار وصخب الموسيقى الاجنبية ملأ المكان وسبحان مغير الاحوال .. ايوه يا سيدي ماما قالت انها بعتت معاك حمام وملوخية ومحشي وراح يعدد قلت لهم نعم ولكن هذه الاطعمة نيئة ولابد من طهيها على النار .. قال طيب يا الله مستني ايه بابا قال انك قلت لهم انك بتحب الطبخ.
انتهيت من عمل الملوخية وكان كل شيء معد في اكياس وتمت تسوية المحشي والحمام وخلافه واكلنا جميعا ثم اقتربنا من منتصف الليل فقال لي محسن خش بقى استريح شوية علشان لا بد وان نكون في الشركة الساعة الثامنة صباحا.
ولم ينس ان يقل لي اترك كل شيء فالشغالة ستحضر في الصباح وستقوم بعمل اللازم يا اللا يا باشا علشان ورانا شغل كتير في الشركة وانت راح تنقذنا ونخلصه في ميعاد تسليمه.
ليلة وكأنها الحلم بعينه تركت المنزل في شقتي في منطقة الزاوية الحمراء وتوجهت الى المطار وركبت الطائرة وفي المطار حدث ما لم اتوقعه وهو وجود صديق لي وجار من مصر ويعمل في السفارة المصرية دبلوماسي يعني وكان لقاؤه في حد ذاته ربما كان السبب في دخولي لندن دون سين ولا جيم لانه عندما رآني واقفا في الجوازات اقتحم المكان وكأنه في منزله قائلا للسيدة التي بدأت في فتح جواز السفر لتتعرف علي من خلاله .. قال آن .. آن وهذا كان اسمها : هو معي .. هو معي .. قالت مستر تهاوي (يعني طحاوي) .. أوكي أوكي ولكن دعني اتعرف عليه .. فردد مرة ثاني "هي إذ وذ مي" نظرت الي واعطتني جواز السفر وقالت: ويل كم مستر فضل.
بالطبع اخذني بالاحضان وحمد الله ع السلامة وجاي ليه وراح تعمل ايه ولم يعطني فرصة للاجابة فكل كلامه عبارة عن تعليمات وتعمل كذا وانا جاي المطار علشان فيه شخصية دبلوماسية كبيرة جايه من مصر ولو مكانش كده كنت اخدتك معايا ودس في يدي ورقة بها ارقام تليفونات المركز الثقافي المصري حيث يعمل ورقم منزله وعنوان منزله.. ولما اعطيته عنوان الشركة التي سأعمل بها قال لي : هايل ده قبل من بيتي بشارع.
وخرجت وحكيت قصة ذهابي الى ايلنج ثم حكاية الاكل والملوخية اللي دوخت كريستين والحمام الذي اخبروها انها فراخ صغيرة علشان ماتزعلش على الحمام اللي راح فطيس.
ذهبت للشركة في الصباح ولم ار المنزل لمدة اسبوع فكان لديهم كتاب لندن جايد وهو دليل لندن باللغة العربية وكان اول كتاب يتحدث عن السياحة في لندن.
انتهينا من الكتاب وعندما طلب مني الذهاب الى ايلنج والعيش في نفس الشقة هناك بمفردي رفضت وفضلت ان اكون مع زملائي سعيد رزق وعبد الستار وابراهيم الذين سبقوني الى لندن (لهم قصة طويلة معي قبل وبعد سفري الى لندن) المهم انتقلت الى منطقة اكتون والعيش معهم وكنت انتهي من العمل في الشركة الساعة العاشرة مساءا واكون في مكتبي في السابعة صباحا بالضبط واستمر الحال حتى جاء شهر ديسمبر وبدأت الحفلات في لندن في كل مكان وجاء موعد حفل الشركة الذي اقامه مستر برنار كير وهو صاحب شركة تيك ارابيك اند فارسي تابسيتنج ليمتد وكانت هذه الشركة الثانية في لندن تنتج مجلات وكتب عربية.
الشركة يعمل فيها كبار الشخصيات العربية من مصريين وفلسيطنيين ولبنانيين وجزائريين وتونيسيين وكلهم يقومون بالترجمة فالشركة تترجم سبعين لغة وهؤلاء العرب معظمهم كان يعمل في اذاعة البي بي سي البريطانية القسم العربي. أقيم الحفل في مقر الشركة الرئيسي في منطقة شوبرد بوش والمكتب فوق اكبر سوق شعبي في المنطقة والسوق يحمل اسم المنطقة وذهبنا جميعا واذ بالزينات تقابلنا في كل مكان من درجة السلم الأولى حتى الدور الثاني حيث الحفل .. الصالة كبيرة ووضعت الطاولات في المنتصف وعليها كل ما يقدم في مثل هذه الاحتفالت شرائح الرومي وكل أنواع المشروبات الموجودة في بريطانيا بل وفي العالم كله.
بدأ الحفل بكلمات من السيد كير ومن بعض الشخصيات ثم التمنيات وخلافه واشربوا يا حبايبنا .. مستر كير يعرف ان بعضنا لا يشري ولكنه قال لديكم مشروبات سوفت درنك دون كحول وبالفعل شربنا منها ولكن .. ولكن دي نضع عليها علامات استفهام كبيرة جدا ولكن لأن معنا زميل بيشرب ولا يريد أن يشرب بمفرده فقال لنا هذا المشروب عبارة عن شربات وبالفعل كان شكله يوحي بذلك حتى مكانه على الطاوله بمفرده في اناس زجاجي كبير معلق على جوانبه عشرات من الفناجيل الزجاجية من نوع الاناء الذي به المشروب وبالفعل اخذت منه الشربات وواحد شربات في واحد شربات تاني وثالث ورابع وبدل الشربات عزمت عليه سو من قسم الحسابات في الشركة بكأس فيه ايه مش عارف كاس صغير جدا وكل ما اشرب كاس الدنيا تحلو في عنيه والانوار تتلأأ قدامي وهات يا ضحك وسعادة وانسجام ونسيت الدنيا والغربة ونسيت أهلي ذاتهم .. بعد منتصف الليل الحفل خلص والكل مهنج يعني خلصان ولقيت اثنين منزلني من على السلم ومسندني وأنا مش عارف بضحك ليه اي حركة كأن واحد قال لي نكتة مصرية. في البيت في اكتون طلعت فوق لشقتي وانزل واطلع تاني واظن اخر مرة طلعت على ايديه .. اترميت على السرير وقفلوا عليه الباب وتاني يوم بعد العصر لقيت نفسي ببحلق في سقف الغرفة وسألت نفسي انت فين يا محمد .. نسيت كل حاجة تربطني حتى بغرفتي حضرت مسز سوان تعتبر المسؤولة في الشركة بعد برنار كير وهي ساكنة في البيت الملاصق لمنزلنا واطمأنت علي واحضرت لي برشام للصداع القاتل اللي خلاني مش عارف افتح عنيه وهي تعرف انني راجل ملتزم ومش ممكن اشرب وقالت لي ايه اللا انت عملته في نفسك ده فقلت له انا مش فاكر اي حاجة غير الشربات اللي سأهولي فلان وهو زميل لي للأسف من مصر .. قالت ده كوكتيل من الفواكه ولكن فيه نسبة كبيرة من الكحول ثم قالت لي ان سو التي تعمل معها في مكتب الادارة اخبرتها عن اللي حصل معي بتقول لي انت لم تترك صنف من الزجاجات الا وشربت منه .. عموما استريح وعلى بكره راح تكون كويس.
كويس ايه دنا جلست اسبوع اعاني من الصداع ولغاية حفل العام الجديد ليلة رأس السنة كنت في حالة تأنيب ضمير وأحيانا بكاء كالأطفال وقلت خلاص الواحد رايح النار رايح النار.
هذا ما حدث معي ليلة الكريسماس حفل الشركة أما ما حدث معي ليلة رأس السنة فحدث ولا حرج. الى لقاء في خاطرة جديدة عن ترافلجر سكوير وأول احتفال لي بالعام الجديد في اهم مكان للاحتفال بالنيو يير في العالم كله. من امام ساعة البج بن الشهيرة.
العمدة محمدمتولي فضل خاطرة من كريسماس 1976أرويها في كريسماس عام 2020



رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.