رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

×

ملاحظة

There was a problem rendering your image gallery. Please make sure that the folder you are using in the Simple Image Gallery Pro plugin tags exists and contains valid image files. The plugin could not locate the folder: media/k2/galleries/7792

كتبت مرة عن أول حضور لاحتفال كريسماس في لندن في عام 1976 وبعده جاءت الاحتفالات بأعياد رأس السنة الميلادية .. المعروف أن لندن هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتبر ساعة "البيج بين الشهيرة" هي التي تدق الاثني عشر دقة في آخر ثواني العام المنصرم وبما اننا كنا نودع عام ونستقبل عام فكان لا بد لي تلبية دعوة زميلي رضا بن شعبان والتوجه الى ترافلجر سكوير المواجه لساعة بيج بين والقصر الملكي البريطاني حيث تعيش ملكة بريطانيا وعائلتها.
تحدثت سابقا في خواطر كثيرة عن عملي في شركة تيك ارابيك ان فارسي التي تقوم بطباعة عددا من الكتب العربية والتي التحقت بالعمل فيها بعد ساعات من وصولي الى لندن .. اكيد كان هناك اتفاق مسبق بالذهاب للعمل بتصريح عمل بريطاني (له قصة من اطرف القصص سأرويها لاحقا).
رضا بن شعبان ومنجي ابو زيد صديقان من تونس تعرفت عليهما في الشركة الأول يعمل في قسم الديزاين او (البيست أب) والثاني في الترجمة وكلامهما شخصيتين دخلت قلبهما قبل أن يدخلا قلبي واعتبراني شقيق لهما.
في أول لقاء مع بن شعبان كان في حجرة الديزاين كان واقفا على طاولة البيست أب يعمل على توضيب صفحات كتاب باللغة العربية.
بعد أن تم تقديمي له راح يسألني بعض الأسئلة عن مصر وشعرت بحبه الجارف لمصر وفنها وشعبها فأعجبت بشخصيته وسبحان الله من اللحظات الأولى صرنا أصدقاء وراح يقص علي قصة زواجه من "العُبٌيطَة" أي العبيطة بلهجتنا وأنجب منها طفل جميل ولكنه غير مرتاح في زواجه كونها تغير عليه ولا تحب أن يسهر طوال الليل في الشركة ويرجع الى منزله ليمكث به ساعات معدودة ثم يعود للعمل.
هذا الرضا فوجئت به يناديني يا نقشبندي .. تعجبت هل نسي اسمي واسمي اسهل وأهم اسم في العالم فقال لي يا أخي أنا أحب الشيخ النقشبندي جدا وأهلي في تونس يحبوه انه منشد مصري ليس له مثيل .. وراح يسترسل عن النقشبندي لدرجة انني اصبحت النقشبندي الى ان تركت العمل في الشركة.
اتحدث عن يوم 19 ابريل في عام 1076 والساعة كانت تقترب من العاشرة صباحا .. استمرينا في العمل وفي الواحدة نادى علي يا اللا يا نقشبندي علشان اللانش .. نظرت اليه نظرة اللي مش فاهم فقال لي نتغدى .. خرجنا ودخل محل "فش آند شبس" وسألني اذا كنت احب الفيش (السمك) واللا الـ تشيكن (الدجاج) .. مع البطاطس تشيبس.
طلبت الفراخ وهو اشترى فراخ مثلي وعلبتين بيبسي وذهبنا الى الشركة وجلسنا في غرفة الطعام وأكلنا وشربنا وعدنا الى العمل مرة ثانية.
رضا بن شعبان يعتبر علامة من علامات رحلة لندن التي استمرت لعشرات السنين قبل عودتي الى القاهرة وهو ظل صديق لي معه مواقف لا تنسى ولكنه في النهاية كان يمثل لي شقيق لم تلده أمي كان غير المجموعة المصرية التي سبقتني الى الشركة ولهم قصص أخرى أخشى أن اذكرها لانها ستسيء الى المصريين في الغربة وتؤكد لعامة المصريين ما يسمعوه من حكايات عن تعامل المصريين تجاه بعضهم للآخر في الغربة .. للأسف شيء مزعج ومهين.
انضم الى الشركة اخونا منجي وهو شاب تونسي ايضا شعره طويل مثل الفتيات يجيد اللغات الفرنسية والانجليزية والعربية ومعه صديقته الانجليزية آن التي تعمل مدرسة واصبحت صديقا وأخا له وكنا نتسكع سويا في شوارع لندن وخصوصا ان صيف لندن ذاك العام كان حارا جدا لدرجة ان الارض تصحرت من ندرة سقوط الأمطار والفضل يعود له في الذهاب معي لعشرات الأماكن التي يتمنى كل سائح الى لندن مشاهدتها.
بعد حفل الكريسماس الذي تحدثت عنه في الخاطرة السابقة كأول حفل كريسماس لي في لندن وفي حياتي جاء حفل رأس السنة بعده بأيام ودعاني اليه رضا بن شعبان والمنجي أبو زيد وقالا لي سنذهب الى حيث يحتفل العالم كله بقدوم العام الجديد ميدان ترافلجر سكوير حيث توجد ساعة البيج بن.
ذهبنا في التاسعة مساءا ومشينا من شارع اوكسفورد ستريت حيث الناس تصطف على جانبي الطريق ولا ترى سوى الابتسامات والتحيات تلقى عليك من كل المارة ولمن يراك من الرجال والنساء والصغار والكبار منهم .. مشهد جديد لم اره في مصر من قبل.
ساقتنا أقدامنا الى ميدان ترافلجر سكوير، الساعة تقترب من الحادية عشر مساءا والميدان يتزاجم بالمواطنين من كل انحاء العالم من كل فئات الشعب لا تسمع سوى الصراخ والتهاني.بعضهم يحمل البالونات او يرتدون قبعات ملونة ومنهم يحمل زجاجات البيرة في ايديهم او ساندويتشات السوسيش ومنهم من يحمل الفاكهة، المهم ان الغالبية مشغولة بالتهام الطعام او القاء التحية على الاخر وعبارة (هابي نيو يير) هي العبارة السائدة في تلك الليلة. صرت وحيدا بعدما تهت في الزحام عشرات الألوف من البشر ورضا راح مني راح.. وخبرتي بهذه المناسبة معدومة وماذا سيحدث لي لا أعرف ففعلت كما يقول المثل "اذا كنت في روما فافعل كما يفعل أهل روما".
رحت اوزع التهاني بالمثل على كل من يقول لي هابي نيو يير. الوقت يمر بسرعة وقدماي ساقتني الى النافورة التي تتوسط الميدان والمياه تتدفق من اركان النافورة من افواه التماثيل والبعض خلع ملابسه وراح يسبح في مياه النافورة وانا مشدوه بما يحدث الكل سعيد وفرحان بقدوم عام جديد وكأنهم في سجن العام الذي سينصرم بعد دقائق .. لا استطيع النزول في مياه النافورة واكتفيت باغتنام الفرصة والعيش في سعادة بالغة ورد التحية والتهاني بقدوم العام الجديد.
فجأة دقت ساعة البيج بن دقاتها المعروفة ثم بدأ العد التنازلي للرقم 12 وكل الآلاف المتراصة في ميدان ترافلجر سكوير يرددون بصوت واحد مع كل رنة ون تو ثري فور الى ان انتهت الدقة الثانية عشر وانفجر الجميع في صراخ وعويل وبدا لي أن الدنيا تغيرت انوار تتلألأ وحناجر تصرخ ثم بدأت مرحلة جديدة من توزيع التهاني على الجميع وهذه المرة ليست هابي نيو يير فقط ولكن لابد ان يسبقها قبلات وعناق منه السريع ومنه المتواصل حسب الوسامة وجمال المهنيء .. اندمجت في المنظومة فطوال العودة من ترافلجر سكوير الى شارع ريجنت "اتهريت بوس" بوس بطعم الكاتشوب والبيرة واحيانا الواين ولكن اجمل ما في التهنئة هو انك لا ترى رجل يقبل رجل او فتاة تقبل فتاة ولكن لابد ان تكون المنظومة مستقيمة فالكل شباب وشابات كما قلت من جميع انحاء العالم.
بعد انقضاء الساعة الأولى من العام الجديد راح البعض الى ارتياد البابات او البارات المتوجدة في تلك المنظقة وذلك لاستكمال السهرة الغريبة والعجيبة بالنسبة لي على الأقل فهي اول سنة احتفل بها في معقل احتفالات العام الجديد في العالم.
ساقتني قدماي مع البعض وخصوصا مع فتاة فرنسية سألتني اين سأكمل السهرة قلت لا اعرف ــ هو انا اصلا اعرف ما حدث وما سيحدث بعد ذلك ــ قالت تعالى معانا الباب يعني البار ودخلنا البار وعالم تاني اخر .. المزيكا تصدح في صالة للرقص والكل بيده زجاجات البيرة او كؤووس الخمر .. واذ بالفتاة الفرنسية التي دعتني الى السهرة تحضر لي زجاجة بيرة .. تذكرت ليلة الكريسماس وما حدث لي فخفت ان اشربها فهي راحت ترقص مع زميلات كانا برفقتها وانا ذهبت الى البار وطلبت بيبسي وفعلا حملت في يدي كأس البيبسي وجاءت هي لتطلب من الرقص معها .. اكيد سوف افعل ما يفعله الناس عندما يكونوا في روما يفعلون مثل اهلها رقصت وانسجمنا في الرقص الذي استمر حوالي ساعتين بالتمام والكمال .. للعلم عمري هذه الليلة كان 30 عاما وأدعي انني كنت وسيم وربما وبشرة بنية اللون وشعر مسبسب وقوام رشيق قبل ان اصبح مثل الفيل الآن .. والبنت فرنساوية ويكفي الصفة فرنساوية .. لم أعرف اسمها ولا هي حتى تعرف اسمي ولكن تحول الرقص الصاخب الى رقص سلو يعني بطيء وشعرت بأنني أذوب في بنت برج ايفل فعناقها لي وقبلاتها تنم على انها تعرفني من عشرات السنين .. ولكن الله أعلم ربما الخمر لعب في رأسها وأنا بدوري ظننت ان هذا هو برنامج الاحتفال بالعام الجديد فتماديت الى حد انني حاولت التملص منها والخروج والذهاب الى المنزل مباشرة فيوم الكريسماس كانت الخمور مأساتي ولكن هذه المرة النساء وايه الفرنساويات .. بالفعل تركت البار ولم اودعها فهي مثل العام المنصرم ودعناه دون البكاء عليه بل فرحنا بالعام الجديد .. الساعة تقترب من الثالثة صباحا وأنا الغريب في هذا المكان فقلت لابد من السير في الخط الذي حضرت من خلاله مع صديقي .. وبالفعل رأيت اليافطة المكتوب عليها اسم ريجنت ستريت ومشيت حتى وصلت لميدان اوكسفورد ثم انعطفت يسارا متجها الى حديقة الهائد بارك ومن هناك الشارع المؤدي الى منزلنا حوالي 8 ميل لابد من السير على الأقدام لأنه ليس هناك مواصلات ..
سرت وكان الشارع مازال به ماره مازالو يلقون التحية واحيانا بالقبلات اذا كنت قريبنا منهن فتجنبت القبلات واكتفيت بالكلام لاني اتهريت قبلات بعد اعلان العام الجديد عن نفسه وفي البار مع الفرنساوية التي هربت منها وأنا زعلان.
مشيت .. مشيت .. مشيت واقتربت الساعة من السادسة صباحا وبالطبع اليوم أول يناير وأجازة لكل بريطانيا وربما في العالم كله.
وصلت الى شارع اكتون وحاولت الوصول الى المنزل وسرت في الشارع وبدلا من الانعطاف في الشارع الذي به المنزل مشيت على طول وفجـأة شعرت بالتعب والارهاق والطريق لا ينتهي فشعرت انني تهت خلاص الساعة تقترب من الثامنة صباحا .. وكل شيء مغلق فالكل خلاص انهارت قواه مثلي فوقفت على ناصية شارع لمحاولة تذكر اين أنا واتساءل ما الذي أتى بي الى هنا .. رأيت قضبان سكة حديد العشرات منها بجوار بعضها وفي المحطة شاهدت رجل فجريت عليه وسألته أين أنا الآن فقال لي جولدز جرين فقلت له اريد ان اذهب الى اكتون هاي ستريت فقال لي لا توجد مواصلات الان ولكن سأصف لك كيفية الوصول الى هناك .. وبالفعل خرج من المحطة واشار الى الشارع واتضح لي انه نفس الشارع الذي مشيت فيه فرجعت وحاولت ان انسى هابي نيو يير وامحوا فرنسا وقبلاتها من ذاكرتي وأركز في شكل الشارع الذي اعيش فيه.
بعد ساعة بدا أمامي الشارع فأسرعت الخطى وفتحت الباب ودخلت الى غرفتي والقيت بجسدي المنهك على السرير.
مازالت ساعة البيج بن ترن في رأسي والحمد لله هذه المرة لم اثمل مثلما حدث في ليلة الكريسماس ولكن مازالت الساعة ترن والقبلات الفرنسية تلسع وجهي.
كل عام وأنتم بخير
استمرت علاقتي بترافلجر سكوير سنوات طويلة وخصوصا عندما كنت اقوم بتغطية الاحتفال للصحف والمجلات التي عملت فيها طوال رحلتي الاعلامية .. هل سأعرج اليها ربما لو في العمر بقية. والى لقاء آخر إن شاء الله محمد متولي فضل العمدة ليلة رأس سنة عام 1976 اكتبها الان في عام 2021

معرض الصور

{gallery}7792{/gallery}

رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.