رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

الغناء المصري قديم وراسخ في الوجداني وتطور وشهد طفرات مهمة مع تراكم أجيال ونبوغ ثقافي ،واحتكاك بثقافات أخرى ،وكان لوجود جاليات أجنبية أكبر الأثر الإيجابي في انتقال التخت من حالة البداوة ،لفن حديث متنوع.
لحن فريد الأطرش الذي غنته شقيقته أسمهان ،( ليالي الأنس في فيينا )يكشف حالة الأمتزاج الجميل بين روح الشرق ومقامات غربية ،منحت هذا الصوت الرائع ( أسمهان ) للنتقال السلس من مقام لآخر بيسر وجمال.
فريد الأطرش عمل في صالة بديعة مصابني ،حيث التقت أنغام الشرق بالغرب ،وهو محدد ومغامر ،وعاشق لأوتار العود ،وكان عزفه يقترب من مقامات إسبانية وأخرى في أمريكا الأتينية ،لأن بديعة مصابني كانت تدعو الفرق الآجنبية للعزف في مسرح المتوعات الذي تملكه على ضفاف كوبري الجلاء ،وكان اسمه كوبري بديعة.
هذا التلاقي بين الحان الشرق والغرب منحت الموسيقى قفزة في تعبير عن مجتمع تجاوز حالة البدواة والأختناق بسبب الموسيقى العثمانية الجامدة.
كان سيد درويش صاحب عملية الأختراق ،والتمرد ،وفتح الطريق أمام زكريا إحمد وتبعتهما محمد القصبجي ،الذي منح الأغنية السينمائية بريقها وحيوتها ،ونقل تخت أم كلثوم ،من الناي والرق لآفاق فرقة موسيقية حديثة.
كانت أم كلثوم تظهر ومع هذا التخت وهي ترتدي العقال والعباءة ،لأنها تغني ابتهالات دينية ،وعندما استجابت لمحمد القصبجي ووافقت على تخت حديث ،اضطرت لخلع هذا الزِّي البدوي وارتداءالآخر المدني ،لأنها تغني في الأزبكية ومقهى ريش في قلب القاهرة التي خلعت في بداية القرن رداء البداوة وارتدت ملابس المدينة
الزي في تطوره لا علاقة له بالعقيد الدينية ،وانما يعكس تطور المجتمع ،وعندما خلعت هدى شعراوي الحجاب وألقت به على الأرض ،ترجمت اندفاع مصر للحرية مع انفجار ثور١٩.
الذين دفعوا بمصر للوراء روجوا كذبا عن زي إسلامي ،وهو بدوي ،وكانت مصر ترتديه في السابق ،والدليل أم كلثوم ،التي عندما كانت تغني في القرى التواشيح الدينية ،ويقف خلفها الشيخ إبراهيم البلتاجي وشقيقها الشيخ خالد، كانت ترتدي ملابس البدو ،ولما جاءت للقاهرة ، المدينة الحديثة ،خلعت ملابس البدو وغيرتها بأزياء المدينة.
الموسيقى المصرية ،كانت في البدء تنمى لبداوة ،لكن مجموعة من الملحنين ،من جنسيات وعقائد مختلفة طوروا الأنغام ،ودخلت آلات جديدة ، واخترقت التخت الشرقي ولمعت في الحان فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب تعبيرا عن مراحل التجديد
منح ملحنون وعازفون من ثقافات مختلفة الأغنية المصرية بريقها في مرحلتها الذهبية ،ومصر التي كانت تستضيف فرق اوبرالية، قدمت الحان مختلفة ،وتذكر الدكتور رتيبة الحفني تأثر محمد القصجي بألوان الغناء الأوبرالي وحاول في لحن الطيورلأسمهان أخذ بعض المقامات الأوبرالية.
قدم زكي مراد والد المغنية الجميلة (ليلى ) إسهامات في مشوار الأغنية المصرية،مع داوود حسني وعبده الحامولي وغيرهما من ألوان موسيقية تأثرت بالوافد من الحان الشام والعراق وبلاد أوروبية
ثقافة الغناء المصرية نتيجة من احتكاك حضاري فمصر تعاملت مع أوروبا ولم تكن منغلقة ، وقراءة تطورها في ظل وجود جاليات إوروبية وانفتاح ادى لأنتشار ملاهي ومسارح وحركة غنائية ووجود لبؤر الفن في عماد الدين ،وقبل ذلك في روض الفرج ،مع وحود شارع محمد علي الحاضن للعازفين والفرق الموسيقية
ادت العزلة التي نجمت عن استبداد يفرض قيوده ،لحالة جمود ،مع انتشار سلفية حرضت على الفن والعداء للموسيقى لدرجة أن عازفين اعتزلوا المهنة لأنها حرام.
الفن كله حلال ،لإنه يمنح الروح الأمل والبهجة ،لكن أعداء الفن استغلوا مرض مصر وضعفها ونشروا خطاب الجهل والأنغلاق ،لذلك اعتزل فنانون الفن ووصل الأمر لتجريم الغناء ووصفه بالفسق
الدول التي حرمت الغناء خلقت إجيالا متعصبة وجاهلة ومشبعة بالكراهية ،بينما مصر كان الغناء في المقاهي والأفراح والحواري ،لذلك تكونت بيئة سعيدة وجدانيا ،لكن الحال انقلب مع هيمنة التيار السلفي المعادي للحياة.
الفن قادر على احياء مصر مرة أخرى ، ونشر البهجة في قلوب مواطنيها ،لأنه السعادة والتوازن النفسي والقادر على بث الإحلام في القلوب لتجميل الحياة وزرع الزهور في الطرقات.      

رأيك في الموضوع

HELIX_NO_MODULE_OFFCANVAS