رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

«أيها المواطنون.. فى هذه الظروف العصيبة التى تمر بها البلاد، قرر الرئيس محمد حسنى مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية، وكلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.. والله الموفق والمستعان».  
كان عمر سليمان قد عقد اجتماعاً مع المشير طنطاوى قبل فترة وجيزة، حيث وضعا هذا البيان، وقررا أن عمر سليمان هو من سيقرؤه، وفقاً لتعليمات مبارك الأخيرة. فقد خرج سليمان من المكتب وقرأ البيان أمام الكاميرا، التى كانت موضوعة بشكل مسبق فى الممر. كل من شاهد التسجيل على شاشة التليفزيون يتذكر أنه كان هناك رجل يقف خلف عمر سليمان وهو يقرأ هذه السطور. من سوء حظ هذا الرجل أنه كان يقف فى المكان الخاطئ فى الوقت الخاطئ. هناك نظرية فى الإعلام أنه عندما يرفض الناس قبول فداحة المواقف العصيبة فإنهم يسخرون منها. لذلك لم يكن مفاجئاً أن يتحول الرجل الذى يقف خلف عمر سليمان إلى مادةٍ للسخرية فى جميع أنحاء مصر والشرق الأوسط. كانت وسيلة مختلفة لإزالة التوتر، لإبعاد أذهان الناس عن الموقف. واتضح فيما بعد أنه اللواء حسين كمال، المساعد الأول لعمر سليمان. عندما أذعنا أخيراً البيان، تسللت الراحة إلى جسدى. لم أكن سعيداً بالضبط، فكنت لا أزال منزعجاً بسبب ما حدث للناس وما حدث للحكومة. فالمستقبل لم يكن واضحاً. كنت أفضل انتقالاً سلمياً للسلطة للمساعدة فى حل مشاكل البلد. فقد كنا، ولانزال، نعانى من الكثير من المشاكل. كنت أتمنى فى الواقع لو أن مبارك لم يتنح، حتى ولو ظل رئيساً بالاسم فقط، عندها كان يمكننا عقد انتخابات حقيقية فى وقتٍ لاحق من العام، يتسنى للمصريين خلالها نبذ جمال وطموحاته. كنت أتمنى أن ننتقل من مصر التى تعانى من حكم رجلٍ واحد على مدى 30 عاما، وابنه ينتظر فى الخلف، إلى دولةٍ تتمتع بنظام ديمقراطى سليم. للأسف بسبب سوء معالجتها للكارثة، فقدت الحكومة مصداقيتها أمام الرأى العام. سيستغرق تفسير ما حدث أعواماً. وفى محاولة لتطهير أنفسهم، تجرى الحكومة محاكماتٍ صوريةً لتهدئة الرأى العام، إلا أن الفاسدين كانوا لايزالون فى قلب النظام. عندما أُذيع البيان كانت البلاد فى حالة من الصخب والإثارة، لم يشبهها- ولو من بعيد- سوى الاحتفالات بفوز مصر بكأس الأمم الأفريقية لكرة القدم. الناس مبتهجةٌ تُغنى فى الشوارع، والألعاب النارية تضىء السماء، كانت ليلةً من الاحتفالات، ولليلةٍ واحدة تشعر كما لو أن مصر هى مركز العالم. ■ من كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك»- صدر فى يناير 2012     25 يناير.. عندما صاح الفتى «جاى آخد حقى» مقال بقلم عبد اللطيف المناوي لماذا شارك من شارك من المواطنين العاديين؟ هذا هو السؤال الذى لم يحاول واحدٌ من النظام الذى سقط أن يتوقف عنده، ففى شوارع متعددة من مصر، ليس فقط ميدان التحرير، تجمع آلاف المواطنين المصريين، شبابًا وفتيانًا وشيوخًا، وأسرًا كاملة «الزوجين وأطفالهما»، خرجوا جميعًا للمشاركة فى «يوم الغضب»، دون أن يجمعهم الانتماء لأى تيارات سياسية أو تنظيمات. كان العامل المشترك- الوحيد- بينهم، أنهم مصريون، خرجوا بشكل عفوى للاعتراض على ما يعانونه من ظروف اجتماعية واقتصادية، ومن بعدُ، سياسية. إنَّ هؤلاء، لكل منهم قصةٌ تصلح فيلما سينمائيا تراجيديا. كانوا ينوون قضاء الليلة والاعتصام داخل الميدان «ولو استمر الاعتصام لأيام»، حتى تتحقق أهدافهم المتمثلة فى مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الإحساس القوى، الذى سيطر على الكثيرين منهم، بأنه لا قيمة لهم لدى أولى الأمر، لذلك أرادوا أن يعترضوا لأول مرة فى حياتهم. إحدى الصحف قدمت صورة لبعضٍ من هذه النماذج، فذكرَ محررها، واصفا عدداً من الشباب يجلسون بعيدا عن التجمع الكبير: ظننا فى البداية أنهم ضمن رجال الأمن الذين يندسون داخل المظاهرات، خاصة أن أحدهم يرتدى «بالطو» أبيض يشبه الذى يرتديه المخبرون، وقفنا بجانبهم برهة، ولكن حديثهم كان يدل على شىء آخر.. عرفنا أن الشاب صاحب البالطو الأبيض اسمه أحمد عبدالبصير، ٣٥ عاما، تخرج فى المعهد العالى للخدمة الاجتماعية، ولا ينتمى لأى تيارات. وحينما سألناه عن سبب مشاركته فى المظاهرة، قال: «تخرجت منذ ما يقرب من ١٠ سنوات وحتى الآن لم أتمكن من الحصول على وظيفة أو عمل يوفر لى حياة كريمة، اشتغلت حلوانى، ومندوب مبيعات و(أى حاجة متاحة)، إلا أننى حتى الآن لم أحصل على دخل يكفينى، فدخلى لا يتجاوز ٥٠٠ جنيه، فماذا أفعل بها؟.. الجزمة بـ٢٠٠ جنيه، والبنطلون بـ١٥٠ جنيه، يعنى أشتغل طول الشهر علشان أشترى جزمة وبنطلون وقميص؟». ويكمل أحمد: «قدمت أوراقى فى عشرات الوظائف، لكن فى كل مرة كنت أفشل فى الحصول على وظيفة لأننى لا أملك واسطة، بالإضافة إلى ما تفعله الحكومة فينا من إذلال واحتقار». ويواصل أحمد، بأسى واضح: «إحنا بس عايزين يوفروا لنا شغل، وما يصروش على إذلالنا». شاب آخر قال إنه من محافظة بنى سويف دفعته لقمة العيش للتوجه إلى القاهرة منذ ٨ سنوات، يعيش فى غرفة متواضعة فى أحد الأحياء الفقيرة بالقرب من وسط القاهرة، وحينما وجد المتظاهرين يحتشدون وسط الميدان ويطالبون بالتغيير قرر أن يترك عمله، ويعتصم معهم، لأنه يعانى أيضا من الفقر والحاجة واليأس، ويضيف قررت المشاركة فى المظاهرة على أمل أن تحمل لنا التغيير الذى يرفع رواتبنا أو يخفض الأسعار». واستمر المحرر فى وصف ما يجرى على الأرض: وسط الحشود كان يلفت الانتباه، وهو يقف وحيدا، بسبب صغر سنه، وملابسه الممزقة، يرتدى شبشبا مقطوعا، ويمسك بيده خشبة أطول منه، سألناه عن سبب مجيئه إلى الميدان، فأجاب «بصوت رجولى»: «جاى آخد حقى». ■ من كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك»- صدر فى يناير 2012         آخر تعديل على الأحد, 27 يناير 2019

رأيك في الموضوع

HELIX_NO_MODULE_OFFCANVAS