رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

التقيت بلندن بشاعر عراقي ،وتناولنا قهوة ايطالية بمقهى بلندن ،وظل يحدثني عن تأثره في فترة التكوين ببغداد ، بنسيم الفن المصري ،الذي شكل وجدانه ،ودفعه نحو الثقافة ،وعشق الجمال وكتابة الشعر.
هذا الشاعر ، حالة التقي بها بلندن ،فالأجيال التي امتصت رحيق الثقافة المصرية ،تشبعت بقيم ،شكلت الوجدان ،وعملت على تقريب المسافات،وتكوين ما يشبه الحالة العامة ،والشعور المشترك.
حدثني ،هذا الشاعر عن حب جارف لعبد الحليم حافظ ،لأنه فعلا ،كان نبض هذا الجيل الذي فتح وعيه على. مرحلة حليم ، أو بتعبير
الناقد رؤوف توفيق زمن عبد الحليم حافظ ،واهداه فيلمه ( زوجة رجل مهم) الذي يؤرخ لحالة مصرية خاصة تعكس ازدواج الواقع ،بين التعلق بحلم رومانسي جميل ،وعلى الواقع الآخر ، تجرى وقائع تعنت وقمع وتسلط وقهر ايضا.
اخرج هذا الفيم محمد خان في شريط يعكس موهبة في تحريك الكاميرا ، وترجمة مشاعر ومواقف ،ترسم كلها هذا التناقض الصارخ بين واقع فتاة حالمة ،تعيش،زمن حليم ،وزواجها من ضابط مباحث،يتميز بشراسة وتسلط ،ويرى أن مهمته خنق الناس واستخدام القسوة.
السؤال كيف لفتاة حالمة تقع فريسة في يد رجل شرس ،؟ يقهرها ويقتل والداها في النهاية بعد أن اصابه الجنون نتيجة فقد وظيفته .؟
لا يوجد تفسير لهذه الحالة اذ الأرتباط غير الموفق بين نقضين سمة إنسانية ،ففايزة احمد ،المطربة الرقيقة بعد طلاقها من محمد سلطان ، تزوجت من رجل شرس ،حبسها في البيت وكان يعتدي عليها ،وذكرت لي إعلامية من البي بي سي ،انها زارتها بمنزلها الذي يطل على النيل ،ووجدتها في حالة نفسية مزرية ،وتعاني من احباط شديد 
الممثلة الجميلة نعيمة عاكف ،عاشت المحنة نفسها بعد طلاقها من المخرج حسين فوزي ،اذ تزوجت من رجل ،منعها من الفن لغيرة تتجاوز المنطق ،اذ تعرف عليها ،وهي فنانة ، لكن بعد الزواج منعها من حياتها فمرضت وماتت،وهي لازالت شابة صغيرة.
رؤوف توفيق ،ومحمد خان ناقشا هذا التناقض بين الحلم والواقع ،فقد عاشت بطلة الفيلم ،مع اغاني عبد الحليم حافظ ،لكن الزمن يبحر في عالم آخر ،عنوانه القسوة والقهر ،والتسلط.
يمكن روية الفيلم من منظور آخر ،وهو سقوط الحلم المصري في قبضة التسلط ،فينما كانت مصر مسكونة بحليم وزمنه ،كانت الحياة تبحر في أزمات ادت لنكسة عسكرية، وتلك قادت لتفكيك ،وانتشار للسلفية مما خنق الإبداع، وأعاد البلاد لما قبل الحملة الفرنسية حيث التعليم في كتاتيب واهمال التعليم المدني ،الذي كافحت من اجله النخبة المتعلمة.
زمن حليم انتهى ونعيش الآن عصر السلفية ، حيث لا حديث عن الحب والغرام ،وانما عن النار وقتل الكفار ودفع الأقباط للجزية .
اين كانت هذه الثقافة في زمن حليم ؟ ،وأين كان هولاء الكفار؟ ،حيث تشعر عند سماع المختل وجدي غنيم انهم على الأبواب ويدقون أبواب المدينة وعلينا ان نعد لهم ما استطعنا من قوة لإبعادهم عن ديارنا.
نشعر مع سماع خطب السلفية ، اننا في بداية عصر الدعوة ،وأننا نجهز الجيوش للقيام بفتح البلاد وشرح لنا (الحويني) ماذا نفعل بالغنائم من عبيد وجواري؟ ،واقترح إقامة سوق العبيد ،واستخدم الأسم الشرعي سوق النخاسة.
كنا في زمن حليم ،والذي حدثني عنه شاعر عراقي، وظللنا نتذكره ونحن نحتسي قهوة ايطالية في لندن لأكثر من ساعة ،كنا في هذا الزمن ،نحلق في خيال ،ولم ننتبه لظروف تحيط بنا من استبداد ،تماما ،مثل بطلة فيلم محمد خان ،والتي تحلق في أغاني العندليب ،الذي يكرهه رجل الأمن الشرس ،ويصيبه بحساسية تستفز مشاعره العدوانية وترهقه ،لذلك هجم على المسجل ومزّق شريط الكاسيت ،حتى لا ينطق صوت حليم.
وقد تمكنت الأحداث من نمو السلفية وتحريم الغناء لأنه حرام ، من خنق زمن حليم ،الذي أهداه رؤوف توفيق عمله الجميل الذي يرثي وطنا ،كان مشبعا بحلم الحب ،فجاء القتلة لينشروا الرعب والخوف ،ويتجول واحد منهم بدراجة في حي الحسين وهو يحمل متفجرات على ظهره ، صنعها في منزله ،الذي لا يتردد فيه صوت حليم ،لكن تسمع فيه اصوات دعاة الكراهية والظلام ، ينشرون جهلهم وحقدهم على مصر ،التي نبت على ارضها اجمل البشر من عينة عبد الحليم حافظ ونجاة وفريد الأطرش، وقبيلة من مبدعين يغنون للحب وبهجة الإنسان.

رأيك في الموضوع

HELIX_NO_MODULE_OFFCANVAS