رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

ما إن وطئت قدماي الطائرة الكويتية المتجهة إلى الكويت ، حتى شعرت بما يشبه الدوار ، الذى يصاحب الشعور بالراحة العميقة والاستسلام لكل ما هو هادئ ورائع وعميق.. هذا الهدوء النفسي ، الذى لا يمكن العثور عليه أثناء مزاولتنا الحياة اليومية الملأى بالقلق والتوتر والتفكير في أمور الدنيا صغيرها وكبيرها . كم أنا بحاجه إلى الاسترخاء الكامل بلا خوف ولا قلق ، كل ما حولى بالطائرة يبعث على الراحة والحنين..  
كم من طائرات حملتنى عبر الأجواء البعيدة طوال أيام عمري.. وكم من الرحلات قطعتها في تجوال حول العالم.. ولماذا الآن أذكر بوجه خاص الطائرة اليابانية " الجال " ... التي كنت أركبها قبل المساء ، حيث كانت تقطع المسافات على مدى أربع وعشرين ساعة إلى طوكيو ، فتأتى المضيفات اليابانيات ، يحطننى بالوسائد المريحة ، التى تحوِّل المقاعد إلى سرير؛ فأغفو ثم أستيقظ ، ثم أغفو ، حتى نصل إلى مدينة الأحلام طوكيو ، حيث كان زوجى سفيرا لدولة الكويت وقتذاك في طوكيو ، وفي معظم دول آسيا ، كم أحببت اليابان نظافة ونقاء يفوقان الحد ، أدب جم ، مجالات محسوبة ، وخلق نادر وثقافة وفن رائع ، وزهور في كل مكان.. شوارع ناصعة لامعة ، وسيارات تسير فوق طرق كأنها الحرير ، مناظر تخلب اللب ، وتطيل العمر ، وعلم وتكنولوجيا وإخلاص في العمل حتى التفاني حد الموت أو الانتحار... إن الوزير حين يخطىء ينتحر.. دعوات العشاء والغداء ، ومشروب الساكي ، وأسماك السوشي ، والحفلات الراقصة في أعياد الربيع بقصر الإمبراطور.. وكان يحكم في وقتنا الإمبراطور هيروهيتو (29 من أبريل 1901 - 7 من يناير 1989ميلادية ) معبود الجماهير.. إن هيروهيتو خريج جامعة أكسفورد ، حيث ينبغي أن تكون ثقافة الحكام.. فكان يشير بيده فقط ؛ فيلتزم الكل بالعمل الجاد والإخلاص حد العبادة . بكل هذا أوحت لى الطائرة الكويتية الرائعة ، إنها أنيقة ، منسقة ، المقاعد محورية مريحة ، والخدمة أكثر من ممتازة ، المضيفات جميلات ومهذبات ، وكل شيء منظم كما ينبغي.. الراحة القصوى في هذه الطائرة التى تمثل الكويت في هذه المرحلة... لقد عشت في الكويت قرابة نصف القرن ، وعلى الرغم من أن حياتى لم تكن على استقرار ، بل كانت على فترات ؛ نظرًا للعمل الدبلوماسي ، والسفر الدائم ، والمؤتمرات ، والخروج والعودة ، ثم الرجوع... فإن عدم البقاء لفترة طويلة كان يمنحنى فرصة للتفكير المتجدد ، والنظر إلى تطور الحياة السريع ، فقد قضيت الفترة الأولى في حياة أقرب إلى البساطة والفطرة وجمال البراءة... ثم خبرت بعد ذلك تطورا كبيرًا في الثقافة والسياسة والفكر.. ولكن ظلت الأسرة الكويتية على النهج نفسه من البساطة والصدق المريح سيان بين الأسرة الحاكمة أو بين الشعب . هذه الطائرة الكويتية الرائعة تحملنى إليهم ربما للمرة المائة . لقد شمل التطور السريع والرقى والثقافة كل شيء حتى الطائرات. ولم يكن المال وحده أو البترول ضمن صنَّاع الحضارة ، وإنما الرغبة والطموح والإرادة هي ما تصنع المستحيل. أحيى الكويت - وأنا منهم - على الإرادة والنجاح والإصرار الذي يصل إلى هذا الرقي. ولقد عشت التجربة ذاتها منذ شهور قليلة في تركيا ، فأنا مبهورة بإرادة الشعوب والإصرار على الأفضل والأكبر. ولقد شهدت في كل رحلاتي عبر سنوات الماضي الطويلة ذلك التطور الكبير والسريع في الهند وماليزيا وسنغافورة و تايلاند والفلبين.. فأى نجاح وتطور شمل بلدان الشرق الأقصى ، وقد كانت بعيدة كل البعد عن هذه الحال التي عليها الآن ؟. أما في بريطانيا وقد عشت بها سنوات عديدة ، أحببت فيها الديمرقراطية ، وما زلت أذكر لقاءات هايد بارك في أيام الأحاد ، حيث التجمعات من الشباب وعامة الشعب الذين كانوا ينتقدون أوضاع البلد في حرية شديدة ، حيث يصل احتجاجهم إلى القصر الملكى والوزراء في جرأة ورجاء للأفضل.. وهي الديمرقراطية... والآن أتامل في دهشة وإعجاب مدى التطور الذي شمل دول الخليج ، فلم يكن المال غاية ، بل وسيلة إلى الأرقي والأفضل ، إن الاقتصاد يسير جنبا إلى جنب مع الحضارة كما قال كارل ماركس ، وقد رزقهم الله الرزق الوفير . وأسترسل في التفكير : كنا في مصر أغنى وأرقى دول العالم ، فما الذى حل بنا وعاقنا عن التطور ، إننى أتساءل ويتساءل معى الكثيرون ، لعل في سؤالنا الحل! جالت هذه الخواطر في بالى ، وأنا على متن الطائرة الكويتية ، ودعوت الله أن يغفر لنا ليفرِّج كروبنا ، وليس ذلك على الله بعزيز... وأسترسل في التأمل.. كانت الهند في أدنى مستوى من التحضر منذ أربعين عامًا حين كانت زيارتنا ، حيث البدائية والتخلف ، وكنا نغلى المياه أكثر من مرة للشرب في احتراس شديد خشية الميكروبات. أما في هونج كونج ، فكان المواطنون ينامون في القوارب ، بل يعيشون حياة كاملة رجالا ونساء وأطفالا ، وآخرون ينامون على الأرصفة ، وهناك عربات الريكشا التي يجرها الإنسان بدلا من الحيوان ، أما تايلاند فالحياة كلها في المياه ، حيث التجارة بالقوارب ، وكانت تعيش أسر بأكملها تتناوب البضائع والمأكولات. وفي سنغافورة لا توجد حراسة بالفنادق ، بل يحذروننا من اقتحام اللصوص الغرف . وفي مانيلا كنا نسير بالشوارع يلازمنا الحراس دائما . أما في ماليزيا فحينما كانت تحط الطائرة في مطار كوالا لامبور ، تصل مياه الصرف الصحى إلى سلم الطائرة ، فلا نستطيع العبور مع البلل الشديد. وهكذا كانت دول الشرق الأقصى منذ نصف القرن ، وحين كانت حياتى هناك.. رأيت وشاهدت ومللت ودهشت... كيف كنا في ذلك الوقت ؟ كانت حضارتنا تطاول كل الدول الأوروبية والآن... كيف أصبحت مصر ، وكيف صار حال المصريين في تلك الفترة الوجيزة من عمر الزمن ؟ https://www.almasryalyoum.com/news/details/1453876

رأيك في الموضوع

HELIX_NO_MODULE_OFFCANVAS