رئيس مجلس الادارة:
د. سامي طايع
رئيس التحرير
محمد متولي فضل

موسكو – د. سامي عمارة بعد استعراضنا في الحلقتين السابقتين لعالم "أمير القصة القصيرة"، الطبيب المارس الذي نجح في الجمع بين الطب والادب، ولمتاهات عالم الفيلسوف والمفكر ملازم مهندس فيدور دوستويفسكي، أحد اهم أعمدة الرواية العالمية، نصل في هذه الحلقة الى النبيل ليف تولستوي الذي عرفه العالم بوصفه أحد اهم عمالقة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر صاحب التاريخ المتميز في عالم الرواية الطويلة الذي تحول الى "مصلح اجتماعي وداعية سلام ومفكر وفيلسوف" بعد سنوات طويلة من الخدمة ضابطا في الجيش الروسي خاض الكثير من المعارك القتالية في كل من منطقة القوقاز، وفي سيفاستوبول القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم.  
ونستهل رحلتنا في هذه الحلقة مع سيرة ومسيرة الكاتب الكبير بتأكيد ما وقعت فيه الأوساط الأدبية العالمية من أخطاء حين نقلت اسمه "ليف"، وتعني بالعربية "الأسد"، الى "ليون تولستوي" بالإنجليزية، و"ليو تولستوي" بالفرنسية. وذلك خطأ "شنيع" ما كان يجب ان تقع فيه ولا تزال دور النشر الإنجليزية والفرنسية، وحذت حذوها ولا تزال بقية دور النشر العالمية ومنها العربية، دون تحرٍ للدقة أو إدراك لان الأسماء لا تترجم. فالأسماء وبموجب النظرية والتطبيق، يجرى نقلها كما "تُنْطَق" أو كما "تُكْتَب"، او "خليط بين الامرين معا"، وهي في حالة تولستوي لا يمكن إلًا أن تكون "ليف" نُطْقاً وكِتَابةً. ونمضي مع "العبثية"، لنتساءل عن السبب الذي جعلهم يتوقفون عند ترجمة الاسم، دون ان تنسحب تلك "العبثية" على اللقب "تولستوي" الذي يعني بالعربية "سمين" او Fat" " بالإنجليزية! وبعيدا عن الخطأ الشائع، الذي لا يمكن أن يكون عوضا عن "الصحيح الضائع"، نقول انه ليف تولستوي الذي استهل مسيرته الحياتية بجدل حول ما قيل بشأن أصوله الليتوانية، وهو الذي ولد في عام 1828 عن عائلة من النبلاء في مدينة تولا على مبعدة قرابة مائتي كم جنوبي موسكو. وتأكيدا لقوميته الروسية تشير الادبيات الروسية الى انه ولد عن ام تنتسب الى سلالة ريوريك أحد مؤسسي الدولة الروسية. وتقول الادبيات الروسية انه كان شغوفا في مقتبل حياته بدراسة اللغات الشرقية ومن هنا كان التحاقه في عام 1844 بكلية اللغات الشرقية في جامعة قازان، حيث تعلم التركية والعربية، رغبة من جانبه في العمل دبلوماسيا في الشرق العربي، لكنه لم يستقر طويلا عند هذه الهواية، حيث سرعان ما تحول الى دراسة القانون، ومع ذلك فقد انتهى به الحال العودة الى ضيعة العائلة واراضيها في تولا دون استكمال تعليمه الجامعي. لكن ماذا عن تحوله الى الالتحاق بالخدمة العسكرية؟ تقول الادبيات الروسية ان ليف تولستوي وقع في هوى حكايات شقيقه نيكولاي عن الحياة العسكرية بالجيش الروسي. ومن هنا كان طلبه مرافقته تاركا أمر ضيعته واراضيه الى زوج شقيقته الذي عني بها طوال سنوات خدمته "ضابطا للمدفعية" في صفوف القوات المسلحة بداية في منطقة القوقاز، ثم في سيفاستوبول القاعدة الرئيسية للأسطول البحري الروسي. وفي القوقاز استهل تولستوي سجله القتالي بالمشاركة في المعارك التي نشبت ضد فصائل التتار وما سمى بجيش المريدين. كما شارك في حرب القرم الأولى التي خسرتها جيوش الإمبراطورية أمام جحافل الإمبراطورية العثمانية المدعومة من جيوش البلدان العربية ومنها مصر في الفترة 1853-1856. وكانت جيوش الإمبراطورية الروسية عادت واستعادت شبه جزيرة القرم ابان سنوات حكم الامبراطورة يكاتيرينا الثانية خلال الفترة 1877-1878. وتلك فترة بالغة الأهمية استطاع ليف تولستوي تسجيل الكثير من مفرداتها فيما كتبه وسجله من روايات، منها "الحرب والسلام"، و"الحاج مراد"، و"القوزاق"، والتي كانت الحروب والمعارك موضوعها الرئيسي. ولم تقتصر موضوعات تولستوي عند الحروب والمعارك، بل وتجاوزتها الى السيرة الذاتية التي سجلها في ثلاثية "الطفولة (1852)، والصبا (1852-1854)، والشباب (1855-1857) ". وكان تولستوي سجل أيضا الكثير من تفاصيل المعارك الضارية التي اندلعت حول "سيفاستوبول" في رواية حملت ذات الاسم "سيفاستوبول" وأحدثت ما وصفوه في ذلك الحين بـ "ثورة حقيقية في دراسات المعارك الروسية". لكن الأشهر وبطبيعة الحال كانت "الحرب والسلام"، التي قالوا ان زوجته صوفيا ساعدته كثيرا في نسخها وتصحيحها، لدرجة انها وكما قيل نسختها سبع مرات، حتى كانت النسخة الأخيرة في عام 1869 لتكون الأشهر في سلسلة اعماله مع رواية "انا كارينينا" التي لا تزال هدفا لكتاب السينما والمسرح في روسيا والكثير من بلدان العالم. وحول حياة التصوف التي اقترب منها تولستوي قالت المصادر الروسية انه كان شديد الاهتمام بالمسيحية معارضاً للكنيسة الارثوذكسية، ما كان سببا في ان تُكَفٍرُه الكنيسة وتعلن عن حرمانه من رعايتها في عام 1901. لكنه وجد السلوى والملاذ في تعامله مع الفلاحين والتصاقه بهم خلال فترات الصيف، داعيا للعدالة والسلام، ليتفرغ للكتابة خلال فترة الشتاء. ومن المجهول، نشير الى ذلك الجدل الذي منه ما احتدم حول البهائية التي ثمة من يقول انها القت ببعض ظلالها أيضا على المراسلات المتبادلة بين الامام محمد عبده وكان آنذاك مفتيا للديار المصرية، وليف تولستوي الذي ذاعت شهرته بوصفه من أشد المتعاطفين مع الإسلام ممن كانوا يرتبطون بعلاقات طيبة مع المسلمين التتار في الإمبراطورية الروسية. وكانت تصريحاته التي كشف فيها عن اقترابه من "وصايا الإسلام" وإعجابه بالسيرة النبوية، موضوعا اثار قدرا كبيرا من المواقف الخلافية في المجتمع الروسي. وثمة من نعته بالجنون مثلما فعل الكاتب الروسي الاوكراني المشهور نيكولاي جوجول. وكان الامام محمد عبده بادر في عام 1904 بالكتابة الى تولستوي بالعربية رسالة جاء فيها: أيها الحكيم الجليل مسيو تولستوي، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل، ولأن تكون ثمرته تعبأ ترتاح به نفسه، وسعيا يبقى ويرقى بها جنسه. شعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، استعملوا قواهم التي لم يمنحوها ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع طمأنينتهم، نظرت نظرة في الدين، فرقت حجب التقاليد، وصلت بها إلى حقيقة التوحيد ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ماهداك الله إليه، وتقدمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه. فكما كنت بقومك هادياً للعقول، كنت بعلمك حاثاً للعزائم والهمم. وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون، كان مثالك في العمل إماماً اهتدى به المسترشدون. وكما كان وجود توبيخاً من الله للأغنياء، كان مداداً من عنايته للفقراء. هذا وأن نفوسنا لشيقة إلى ما يتجدد من آثار قلمك، فيما تستقبل من أيام عمرك والسلام. محمد عبده، مفتي الديار المصرية 2 أبريل 1904. وارفق الامام محمد عبده رسالته بملاحظة يقول فيها: "إذا تفضل الحكيم بالجواب فليكن بالفرنسية فأنا لا أعرف من اللغات الأوروبية سواها". اما عن رد تولستوي الذي ثمة من أنكره على الامام محمد عبده فهو ما يحتفظ به متحفه في موسكو وجاء على النحو التالي: صديقي العزيز لقد تلقيت رسالتكم الطيبة الحافلة بالمديح، وها أنذا أسارع بالرد عليها، مؤكدا لكم أولا السعادة الكبرى التي أعطتني إياها. إذ جعلتني على اتصال برجل متنور. حتى ولو كان ينتمي إلي عقيدة تختلف عن عقيدتي التي ولدت عليها وترعرعت معها. ومع هذا فإني أشعر بأن ديننا واحد، لأني أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة. وأنى لآمل ألا أكون مخطئا إذ أفترض ـ عبر ما يأتي في رسالتكم ـ بأنني أدعو إلى الدين نفسه الذي هو دينكم. الدين الذي يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التي هي حب القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به. إنني مؤمن بأن كل المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر والأمر ينطبق على كل الديانات. وإنني لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكري والأفكار المتبعة والأعاجيب والخرافات. بمقدار ما تفرق بين الناس بل تؤدى إلى توليد العداوات فيما بينهم. وفى المقابل بمقدار ما تخلد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرة على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع. وهذا هو السبب الذي جعل رسالتكم تبدو لي ممتعة. وفى النهاية ارجو أن تتقبلوا يا سماحة المفتي تعاطف صديقكم. تولستوي 11 shares  

رأيك في الموضوع

Please publish modules in offcanvas position.